حوادث

قضاة للنيابة العامة أم وكلاء ووكلاء عامون للملك؟

القضاء إذا شك برأ والنيابة العامة إذا شكت تابعت (2/2)

بقلم: أشرف منصور جدوي*

هناك جملة من المؤيدات لتعويض تسمية وكيل الملك أو الوكيل العام للملك، بتسمية قاضي أو قضاة النيابة العامة، فبالإضافة إلى الأسانيد الواردة بالدستور أو القوانين التنظيمية المذكورة سابقا هناك أسانيد أخرى.
فمثلا نعلم أن الدعوى في المادة الجنائية أو الجنحية طرفاها هما نيابة عامة – وكيل أو وكيل عام للملك – ومتهم، ومعنى هذا، فكأنما الملك عن طريق وكيله قاضي النيابة العامة – وكيل الملك- هو خصم المتهم، وكأن المتهم هو في خصومة مع الملك بواسطة وكيله، في حين أن الملك والمؤسسة الملكية في النظام المغربي – وهذا فخر للمغرب والمغاربة – هي تلك السلطة التي تعلو على كل السلط، فحاشا أن يكون الملك خصما بل هو الحكم الأسمى بل وهو المنزه عن ذلك.
وإذا كنا نقول أن القضاء إذا شك برأ و النيابة العامة إذا شكت تابعت، فجلالة الملك الذي عن طريق قضاته يقضى باسمه بالبراءة في حالة الشك منزه عن المتابعة ولو بواسطة وكلائه في حالة الشك.
وإذا كان قانون المسطرة الجنائية هو قانون الأبرياء، ولما كان البريء هو كل شخص مازال لم يصدر في حقه حكم نهائي بات لا تعقيب فيه، ولما كانت النيابة العامة قد تتابع في حالة اعتقال وتتابع الأبرياء في حالة اعتقال، فإنه من غير المستساغ أن يكون ذلك الاعتقال في حق البريء مورس من قبل وكيل الملك، إنه ليهون ألف مرة أن يقال إن النيابة العامة أو قاضي النيابة العامة أخطأ في الاعتقال أو اعتقل بريئا على أن يلصق ذلك بوكيل للملك.
ولما كانت البراءة هي الأصل، ولما كانت الجريمة استثناء من الأصل، وجب لزاما على النيابة العامة إثبات ارتكابها من قبل المتهم. ولما كانت القضية الزجرية التي تعرض على المحكمة هي ادعاء من قبل سلطة الادعاء أي النيابة العامة، فكل من يقول بخلاف الأصل يبقى مجرد مدعٍ وعليه إثبات ادعائه ومتى ثبت صحة ماجاء في الادعاء كنا أمام حكم بعقوبة، و متى لم يثبت كنا أمام حكم بالبراءة، ففي اعتقادنا لا يجوز بل ولا يجب أن يقال إن وكيل الملك يدعي فلنترك الادعاء لقاضي النيابة العامة، فإنه ليهون ألف مرة أن تكون النيابة العامة بواسطة قاضي النيابة العامة مدعية على أن يلصق مجرد الادعاء بوكيل للجناب الشريف.
سادسا: من يلتمس ممن؟، قبل الحديث عمن يلتمس ممن يتعين علينا الحديث عن مفهوم الملتمس في اللغة، إذ فيها نميز بين ثلاثة مستويات من الخطاب، فحينما يكون المخاطِب أعلى مقاما ودرجة من المخاطب فإنه يأمره، وحينما يكون المخاطِب مساويا في الدرجة للمخاطب فإنه يطلب منه، وحينما يكون المخاطِب أدنى درجة من المخاطب فإنه يلتمس أو يرجو منه.
فهل قاضي النيابة العامة سواء كان وكيلا للملك أو وكيلا عاما للملك أقل درجة من قاض يصدر أحكامه باسم جلالة الملك، نقول كلا فكلاهما قاض وأحدهما هو للملك وكيل والثاني يصدر أحكامه باسم جلالة الملك، وإذا كان قاضي الحكم هو من تكون له في النهاية الكلمة الفصل، فإنه يتعين ضمان سموه عن سائر المؤسسات القضائية الأخرى. ولما كانت النيابة العامة طرفا فإن جعل قضاتها مرتبطين بالنيابة عن الملك، يهدد سمو قضاء الحكم، إذ كل منهما قاض كما أسلفنا وأحدهما وكيل للملك والآخر يحكم باسم الملك، في حين أن قاضي الحكم هو الوكيل الطبيعي للملك في إصدار الأحكام، وبالتالي غير مستساغ التقدم بملتمسات من وكيل عن الملك إلى قاض سيبت فيها باسم الملك، ويبقى مقبولا جدا أن يتقدم قاضي النيابة العامة بملتمسات ومن غير المستساغ أن يتقدم بها من هو للملك وكيل.
وإذا كان مقبولا أن يقدم المتهم أوالطرف المدني ملتمساتهما إلى المحكمة بحكم سموها وسمو مقامها هذا السمو الذي تستمده المحكمة من سمو من تصدر الأحكام باسم جلالته، فإنه من غير المستساغ أن يتقدم وكيل للملك بملتمسات فالملك يأمر وأوامره واجبة الطاعة، والملك لا يلتمِسُ بل يلتمس منه، ولو بوكيله لايلتمِسُ ومن ثم كانت الأحكام الصادرة باسمه ملزمة للجميع، فضلا على أنه لا يستساغ أن يكون الملك وإن بوكيل له خصما لمتهم ما، فمقام الجناب الشريف أسمى من أن يكون كذلك، زيادة على أن متابعة جارية من قبل وكيل للملك سيصدر فيها حكم باسم جلالة الملك. كما أنه بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية فإن النيابة العامة طلباتها تقدم عن طريق ملتمسات سواء إلى قاضي الحكم بالجلسة، أو قاضي التحقيق، ولما كان الأخير يصدر أوامر قضائية، ويسند السهر على تنفيذها إلى وكيل الملك فإنه ليهون ألف مرة أن يناط تنفيذ الأمر الصادر عن قاضي التحقيق إلى قاضي النيابة العامة بدلا عمن هو للملك وكيل.
ولما كان الحكم يصدر باسم جلالة الملك، أي أن الملك هو من أصدر عن طريق قاضيه – ومن فوض إليه الفصل في المنازعات بين الناس – ذلك الحكم، فلذلك يبقى من حق جلالته وحده ممارسة العفو.
ولما كانت لجلالة الملك تلك المكانة السامية وسموها مستمد من سمو مؤسسة إمارة المؤمنين، إذ أمير المؤمنين هو خليفة الله في أرضه، ولذلك تبقى المؤسسة الملكية في نظامنا السياسي المغربي العريق هي تلك السلطة التي تعلو كل السلط وتسمو على الكل، ولما كانت النيابة العامة تمثل المجتمع، فإنه لكل هذه الأسباب سواء الدستورية والقانونية واللغوية والسياسية، يبقى حريا الاستعاضة عن تسمية وكيل أو وكيل عام للملك، بتسمية قضاة النيابة العامة، فهم قضاة النيابة العامة وليسوا وكلاء أو وكلاء عامين للملك.
* محام بهيأة البيضاء

المصدر : assabah.ma

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق