حوادث

العقار المهمل وأثره على النظام القانوني للرسم العقاري

نظام التحفيظ العقاري يحمي الحق ويحصنه وكل شخص مقيد كمالك له حر في حيازته واستغلاله والاستفادة منه (3/2)

بقلم: مبارك اسباغي *

يتضح من خلال التعريف بأن إضفاء الصفة المهملة على عقار معين مسألة واقع، من الصعب جدا التأكد منها قانونا، لأنها تتطلب توفر مجموعة من الشروط الموضوعية الواقعية، والتي تتمثل في ما يلي:
أولا: عدم استغلال العقار أو استعماله أو التصرف فيه:
فلكي يعتبر العقار مهملا من الناحية الواقعية لا القانونية لأن نظام التحفيظ العقاري لا يقبل هذا الوصف، يجب أن يتخذ العقار موقفا سلبيا وأن لا تنهض أحد العناصر المحددة في المادة 14 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، والتي تقضي بأن حق الملكية العقارية يخول مالك العقار سلطة استعماله واستغلاله والتصرف فيه، ولا يقيده في ذلك إلا القانون أو الاتفاق. بمعنى أن عدم استعمال العقار واستغلاله والتصرف فيه سواء بنفسه أو بواسطة الغير كالوكيل أو المكري أو الحارس، قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس على أنه مهمل. ولكن الصعوبة هنا تتجلى في الأراضي العارية، كيف يمكن اعتبارها عقارات مهملة؟، وهل يمكن اعتبار العقار في طور التحفيظ مهملا؟ وماذا إذا توصل المحافظ على الأملاك العقارية بلائحة صادرة عن وزارة الداخلية تعتبر عقارا ما قدم بشأنه مطلب التحفيظ مهملا؟، وهل يؤسس المحافظ رسما عقاريا يحمل عبارة عقار مهمل أم يراسل وزارة الداخلية لإصدار الإذن بإزالة الإشارة؟، وما العمل إذا كان المحافظ بصدد تقييد عملية من العمليات، التي تنصب على الرسم العقاري وتبين له بأن آخر تقييد حديث من حيث الزمن مع توصله بورقة من وزارة الداخلية تثبت بأن العقار مهمل؟، فهل يقوم بإعمال سلطته التي يستمدها من القانون ويستبعد تلك الإشارة؟، أم ينتظر مراسلة من وزارة الداخلية تفيد أن العقار غير مهمل؟، وإذا توصل برسالة تفيد أن العقار غير مهمل ألا يكون هناك تناقض في القرارات؟، أي وجود عقار مهمل من الناحية الواقعية، بينما العقار غير مهمل من الناحية القانونية.
ومهما يكن، إن هذا الشرط غير كاف لوحده، أي عدم استعمال العقار واستغلاله والتصرف فيه، وإنما لابد من تحقق شرط ثان يتمثل في بقاء العقار على الوضع السابق، أي بقاء عناصر الحيازة الفعلية في وضعية سكون مدة معينة من الزمن.
ثانيا: استقرار الوضع السلبي للعقار مدة طويلة من الزمن
وهذا الشرط بديهي يتطلبه المنطق والواقع، لأن عدم استغلال العقار بواسطة مالكه، أو من يقوم مقامه واستعماله والتصرف فيه بحد ذاته لا يشكل إهمالا للعقار، لأن المالك حر في ذلك من جهة، كما قد تفرض عليه بعض الظروف عدم القيام بذلك من جهة أخرى، كالسفر أو المرض وغيرها من العوائق والأسباب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي المدة التي يترتب عن انقضائها اعتبار العقار مهملا؟الأمر هنا موكول للسلطة التقديرية للجهة الإدارية المشرفة على البحث الميداني.
وحتى يتم التحقق من الشرطين السالفين، لابد من القيام ببحث معمق، من قبل الجهات المختصة قانونا.
ثالثا: وجوب إجراء بحث معمق
إذا افترضنا افتراضا، أنه تم التأكد من العناصر الواقعية التي تضفي على العقار الوصف المهمل، وكذا المدة المحددة لها والتأكد منها ومعاينتها بكافة الطرق، التي من شأنها إزالة كل شك أو لبس، وهي مهمة سهلة تقتضي معاينة العقار واستفسار الجيران والتأكد من مسألة وجود حارس من عدمه، ومعاودة القيام بهذه الإجراءات على فترات متباعدة زمنيا وفي أوقات مختلفة. كل ذلك بالتنسيق أو بعدم التنسيق مع وزارة الداخلية والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. فهل جميع العقارات التي أشير بشأنها في الرسوم العقارية على أنها مهملة تم التأكد منها وفق الشروط والضوابط الكفيلة باعتبارها مهملة؟، أم أن الأمر يتعلق بمجرد معاينات سطحية سريعة؟ الجواب عن هذا السؤال تملكه الجهة المكلفة بالبحث الميداني.
وبعد أن يتم التأكد والتثبت من أن العقار مهمل من الناحية الواقعية، تحرر بشأن هذه العملية لائحة تتضمن الإشارة إلى أن العقار مهمل، ثم تحال على المحافظة العقارية المختصة مكانيا للعمل على وضع إشارة في الرسم العقاري موضوع العقار المهمل.
بالوصول لهذه المرحلة، يكون دور وزارة الداخلية قد انتهى بشكل لا رجعة فيه قطعا، ويتعين حسب اعتقادي وما يبدو هو الصواب على السادة المحافظين على الأملاك العقارية، أن يتعاملوا مع هذا المعطى بما يتمتعون به من صلاحيات وسلط تجد مصدرها في قانون التحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية، دون الرجوع لوزارة الداخلية بوجه عام، لأن دورها هنا ينحصر في مجرد تقديم مساهمة في شكل بيانات وأخبار يمكن تكييفها على أنها إنذارات تخدم مصلحة المالكيين الحقيقيين ومصلحة المحافظة العقارية، في أفق الحد من ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير، ويشكل الرجوع إليها في هذه الحالة مسا وخرقا واضحا بنظام التحفيظ العقاري. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، نجد أن هذا ما وقع حقيقة لما رفضت السلطة المحلية الاستجابة لطلب يفيد بأن العقار غير مهمل، مبررة موقفها بأن مهمتها انتهت بوضع لوائح لعقارات مهملة حسب تحرياتها، وأنها لا يمكنها اتخاذ قرارات مخالفة، لأن هذه العقارات مازالت على حالتها كليا أو جزئيا.
وإذا أردنا تعميق النقاش أكثر، فإنه يجب التساؤل بخصوص الآثار القانونية الناجمة عن الإشارة لعبارة عقار مهمل بالرسم العقاري؟، بمعنى الدخول في صلب قانون التحفيظ العقاري.
الفقرة الثانية: الآثـار المترتبة عن الإشارة لعبارة عقار مهمل في الرسم العــقاري
منذ البداية نؤكد على أن كلمة ”عقار مهمل” تعتبر مجرد تنبيه للسادة المحافظين لاتخاذ الحيطة والحذر كلما توصلوا بعملية تنصب على عقار مهمل، أي عقار يبدو وكأن لا مالك له، علما أن العقار المحفظ لا يهمه الوجود الجسدي لمالكه بحيازته الفعلية والسكن فيه أو التجارة فوقه أو داخله أو حراسته، أي العبرة في العقار المحفظ بالحيازة القانونية، لا المادية كما أكدت على ذلك محكمة النقض في العديد من القرارات.
إن نظام التحفيظ العقاري يحمي الحق ويحصنه، وكل شخص مقيد كمالك له حر في حيازته واستغلاله والاستفادة منه، سواء كان دارا أو متجرا أو ضيعة أو أرضا عارية، ويمكنه كذلك التخلي عنه والابتعاد عنه وسده وهجره وعدم زيارته دون تخوف من فقدان عقاره بفضل الحماية، التي توفرها له المحافظة العقارية.
ولا يكون لكلمة عقار مهمل أدنى أثر ووجودها كعدمها، إلا إذا تبين من خلال بحث مكثف وتحر على مستوى المحافظة العقارية بأنه بالفعل لا وجود لمالك العقار المهمل على المستوى الداخلي أو خارج أرض الوطن. ويقتضي المنطق في حال التأكد من طرف المحافظ العقاري أن العملية المراد تقييدها سليمة شكلا ومضمونا، أن يقوم بتقييدها واستبعاد كلمة عقار مهمل من ملف الرسم العقاري دون المطالبة  برسالة أو إذن أو ترخيص من القائد مصدر لائحة العقارات المهملة، فإذا طلب المحافظ هذا الإجراء، معناه أن العقار المهمل ممنوع من التصرف فيه إلى حين رفع اليد عنه، كأنه تحت العقل القضائي. لذلك علينا الرجوع إلى الصواب واعتبار كلمة عقار مهمل مجرد تنبيه لا يغير شيئا من التصرفات المعروفة ولا يشل حركة العقار إطلاقا.
وفي حال ما إذا اتخذ المحافظ قرارا إيجابيا بالتقييد أو التشطيب، فإنه تلقائيا وفي الوقت نفسه تصبح كلمة عقار مهمل لاغية، ولا تستوجب أي إجراء يهدف إلى إزالة هذه الكلمة.
ومما يزيد الأمر تعقيدا، عندما يطلب المالك من السلطة الترابية المحلية منحه رسالة تبطل الرسالة الأولى وتمكن المحافظ من التخلص من هذا البلوكاج والعرقلة، فإنه في غالب الأحيان لا تستجيب السلطة المحلية للطلب، وتصرح بأن مهمتها انتهت ولا يمكن لها تغيير هذا الوصف على العقار المهمل، لأن تغييره في هذه الحالة يبقى من اختصاص المحافظ العقاري دون مراسلتنا، أو طلب إذننا بهذا الخصوص.
* محافظ ممتاز سابقا وموثق حاليا

المصدر : assabah.ma

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق