حوادث

“اكتساح” الدارجة للإعلانات المكتوبة .. حتميّة دعائية أم ضرب للعربية؟

خلال السنوات الأخيرة تزايد استعمال الدارجة في الإعلانات التجارية المكتوبة، عبر مختلف الحوامل، بما فيها الألواح المبثوثة في الفضاءات العامة. وفي الآونة الأخيرة لم تعُد الدارجة تزاحم العربية الفصحى وحدها، بل الفرنسية أيضا، إذ ظهرت إعلانات مكتوبة بخليط من “لغة موليير” وكلمات دارجة.

ويطرح “اكتساح” الدارجة للفضاءات العامة ووسائل الإعلام، الذي عرف طفرة بعد ظهور الإذاعات الخاصة، مخاوف المدافعين عن اللغة العربية الفصحى من أن يؤدي إلى إضعاف الرصيد اللغوي للأجيال الصاعدة؛ فيما يذهب البعض إلى القول إن هذا التوجه “مقصود”.

مبدئيّا، تلجأ الشركات إلى استعمال الدارجة في الترويج لمنتجاتها كأداة لتوسيع نطاق التسويق والوصول إلى أكبر قاعدة ممكنة من المستهلكين، لكن المدافعين عن اللغة العربية الفصحى يروْن أن النزوع نحو الكتابة بالعامّية “ليس مصادفة، بل وراءه أهداف مقصودة”، وغالبا ما يتهمون “التيار الفرانكفوني” بالوقوف خلف هذا التوجه.

“ما تفعله الشركات والمقاولات، التي اختارت تجاوز القانون والدستور واستباق النقاش حول السياسة اللغوية واستعمال منطق فرض الأمر الواقع وشرع اليد في التدبير اللغوي، هو عنف لا يمكن أن يكون ظهوره وتداوله الكبير في الآونة الأخيرة مصادفة”، يقول فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية.

ويضيف بوعلي أن الأمر “يتعلق بمخطط تفرضه الشركات الإشهارية والمقاولات ذات النزوع الفرانكفوني التي تستعمل الفرنسية الفصحى والعربية العامية في تناقض صارخ”، لافتا إلى أن البحث في الجهة المتحكمة في سوق الإشهار بالمغرب “يجعلنا نفهم القصة”.

وشهد المغرب منذ سنوات نقاشا حاميا بين المدافعين عن اللغة العربية الفصحى وما يسمى “التيار الفرانكفوني”، الداعي إلى جعل الدارجة المغربية لغة للتدريس، بينما يرفض الطرف الأول هذا الخيار، ويرى أن اعتماده سيُجهز على ما تبقى من رصيد لغوي للتلاميذ من اللغة العربية الفصحى.

ويرى فؤاد بوعلي، في حديث لهسبريس، أن “الدارجة العربية التي حدد لها المغاربة دورها في التواصل الشفهي العامي ضمن جدولة وظائفية للألسن المتداولة لا يمكنها أن تخرج عن نطاقها الأصلي إلا بتوافق جمعي، وليس عن طريق العنف الرمزي الذي يفرض نموذجا للكتابة والتواصل في الشارع العام”.

ويُبدي المتحدث ذاته عدم اقتناعه بمبرر استعمال الدارجة باعتبارها وسيلة ذات فعالية أكبر للتقرب أكثر من جمهور المستهلكين، بقوله: “أعتقد أن تلهيج الفضاءات العامة ومحاولة فرض العامية لغة للكتابة والتواصل المكتوب له عوامل ثاوية وراء شعارات تقريب المعلومة والفهم من المواطن”.

ولا يتردد بوعلي في القول إن “اكتساح الدارجة للفضاءات العمومية لم يكن محْض صدفة”، محيلا، في هذا الإطار، على الدعوة التي قادتها دومينيك كوبيه، من معهد إينالكو في باريس، في دفاعها عن تعزيز الدارجة على حساب اللغة العربية، مبرزا أنها وقفت وراء ما سميت حركة “نايضة” الشبابية.

وأضاف المتحدث أن هذا المُعطى “بيّنه الشريط الوثائقي ‘نايضة’، الذي أشرفت عليه كوبيه بمعية المخرجة المغربية فريدة بليزيد، سنة 2007، وعملت جميع فروع المعهد الفرنسي في المدن المغربية على ترويجه كصورة للمغرب الحديث والحداثي”، وأردف: “دومينيك كوبيه جمعت في شريطها ‘نايضة’ ممثلين فرانكفونيين كمحاولة لتأصيل الدعوة إلى الدارجة والفرنسية فكريا واجتماعيا، خاصة بين صفوف الشباب والمجموعات الغنائية العصرية”.

ويعتقد رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية أن الاستعمال المتنامي للدارجة كلغة للكتابة “ليس قضية لغة وتواصل بقدر ما هو قضية أخطبوط فرانكفوني يريد فرض مسار ثقافي واقتصادي على المغاربة”، معتبرا أن التواصل بالفصحى “أثبت جدواه ورقيّه على مر السنين، بل ومساهمته في الرقي بالوعي العام”.

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق