حوادث

الإمبراطور “كوفيد 19” يواصل الاستبداد زمن التواصل الاجتماعي

على هامش صدور كتابه “في حضرة الإمبراطور المعظم كوفيد التاسع عشر”، كانت هذه الدردشة التي تشبه الشغب الفكري حول فيروس زلزل العالم ومازالت تداعياته مستمرة.

وبلغة استعارية باذخة، يقودنا الإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس إلى تفاصيل تسمية الكتاب، وجانب السخرية الذي دبّج بها العديد من مقالاته، وكذا أبعاد ارتداء الكمامة التي اعتبرها أشبه بالشخصية الثانية التي ترسم نفسها من تحت القناع الذي سيصبح محملا بالرموز والأساطير التي سيأتي من يفسرها بعدنا، كما فعل كلود ليفي ستراوس في كتابه “على طريق الأقنعة”.

من أين جاءك الإيحاء بهذا الوصف الإمبراطوري لفيروس كورونا بكوفيد التاسع عشر؟.

في كتابه “الأدب والغرابة” يقول عبد الفتاح كيليطو: “قل لي كيف تسمي الأشياء أقول لك من أنت”، فتسمية الشيء هي جزء من ماهيته أو من ماهيتنا وتصورنا كواصفين، إننا بالفعل أمام فيروس إمبراطوري من خلال اسمه “الفيروس التاجي”.. إنه من سلالة ملوكية أدخل ثلاثة أرباع البشرية الحجر الصحي، شل الاقتصاد، أعلنت الدول بسببه حالات الطوارئ؛ فلذلك يستحق عن جدارة لقب الإمبراطور المعظم كوفيد التاسع عشر، لا كوفيد 19. فالنبرة الإيقاعية تشير من حيث الحمولة إلى كبار أباطرة العالم: نيرون، جنكير خان، لويس الرابع عشر…

ومن غيره يستحق هذه الحضرة المولوية إذا كان قد أدخل هذا الثرثار الكوني دونالد ترامب المستشفى وفرض عليه الحجر الصحي؟ إنه على الأقل ترامب الأول والأخير، فيما نحن أمام كوفيد التاسع عشر، أي إننا أمام سلالة تاجية… فيروس مخاتل حيّر العالم بأسره، شغل العلماء وأجهدهم في البحث عن الوسائل العلمية (اللقاح) لإخراسه وهزمه، فلا معركة تعلو اليوم على هذا الفيروس الإمبراطوري المستبد الذي هزمنا.. ولو إلى حين.

تستعمل قاموسا عسكريا في الحديث عن فيروس كورونا المستجد كما لو أن الأمر يتعلق بحرب من خلال مفردات كـ”معركة” و”هزمنا”؟.

إنها الحقيقة.. ألم يفرض فيروس كوفيد التاسع عشر إعلان حالة الطوارئ ونزول الجيش إلى الشوارع حتى في الدول العظمى؟ ألا تستعملون في قاموسكم التداولي في الصحافة: المعركة ضد كوفيد 19، جنود الصف الأمامي، الانتصار، محاربة الفيروس، وحدة الصف الوطني ضد الفيروس/العدو… هذه ليست مجرد استعارات نحيى بها، إنها وقائع.

رأينا الدبابات تنزل إلى الشوارع في جل دول العالم.. الأسلحة التي لم نعتدها تحتل مواقع أساسية حساسة في مدننا.. لم يكن ذلك مجرد استعراض عسكري في مناسبة وطنية. إن الإمبراطور المعظم كوفيد التاسع عشر هو من أعلن الحرب واختار توقيتها، وجبهتها..

في كل الطرق هناك متاريس للأمن ضد من؟ ضد الفيروس المبجل كوفيد التاسع عشر الذي زعزع ثقتنا في العديد من اليقينيات التي كانت أشبه بوسادة الكسالى التي ننام عليها باطمئنان.

لقد أخرسنا الفيروس وحدّ من ثرثرتنا، ومن فعاليتنا الاجتماعية ومن سعادتنا المفترضة بالسيطرة على العالم والتحكم في الطبيعة عبر التفوق العلمي، وفي هذا الاستهلاك الرفاهي المرضي..ها نحن نبدو عزّلا في معركة مستمرة في الزمان، والكل منا مهدد بأن تخترق رصاصة طائشة من جيوش الإمبراطور المعظم جهازه التنفسي.

لكن فيروس كوفيد التاسع عشر كما تحب أن تسميه ليس أخطر فيروس عرفته البشرية، ماذا يساوي أمام الكوليرا والطاعون الذبلي الذي كان يحصد أحيانا نصف سكان دولة؟ ما الذي أعطى لفيروس كورونا كل هذا الوهج، وجعله إمبراطورا معظما؟.

أتفق معك كليا أن فيروس كورونا المستجد لا يساوي شيئا إذا ما قورن بالوحوش الفيروسية الكبرى التي عرفتها البشرية، لكن يجب أن تعلم أننا نتحدث عن coronavirus أي الفيروس التاجي، فالأمر يتعلق بفيروس إمبراطوري حقا له تاج الملوك الكبارـ ثم يجب أن نتريث في الحكم على أن الفيروسات السابقة هي أخطر، لأننا نتكلم عن فيروس وهو في طور الهيمنة، أي حالة مستمرة في الزمان.

بالأمس تكلمنا عن الموجة الأولى ثم الثانية وها نحن نتحدث عن الموجة الثالثة، ولا ندري ما المآل الذي ستنتهي إليه البشرية، هل سينتصر العالم وينجح اللقاح المبشر به في هزم هذا الفيروس المخاتل أم سنضطر للتعايش معه كما فعلنا ونفعل مع ملايين الفيروسات التي تعيش معنا اليوم وتقيم باطمئنان بيننا؟.

لكل زمان الوباء الذي يستحقه، وفيروس كورونا يستحقنا ونستحقه، لقد وصلنا إلى لحظة اعتقدنا فيها أننا نسيطر على الكون، وأن الإنسان بلغ سدرة المنتهى في سلم الحضارة، وأننا انتقلنا من الإنسان الطبيعي إلى “الإنسان الأعلى” الذي لا يقهر، وها هو فيروس كورونا يعلمنا الكثير من التواضع. لقد فرض علينا الكمامة التي تخرسنا لنستمع إلى صمت العالم وأنين الطبيعة وأن ننتبه إلى أن التواضع هو أساس الرفعة.. إن العالم سليل التشبيهات والمجازات.

في حياتنا اليومية نحرس على التماثل، إيجاد علاقات المجاورة بين الأشياء القائمة في الوجود، واعتقدنا بفضل العلم والتكنولوجيا أننا وضعنا كل الموجودات في خانات متشابهة، لا بد لشيء أن يشبه الآخر، ونسينا عنصرا وجوديا جوهريا: “إن الله ليس كمثله شيء”، لذا أعتقد أننا مازلنا تحت ظل استبداد هذا الإمبراطور التاجي ولا نعلم كيف سننتهي..

قصدت في سؤالي السابق أنه حسب المقارنات بين فيروس كوفيد 19 وما كانت تحصده يوميا باقي الوحوش الفيروسية كما سميتها، يبدو كورونا لا شيء، لكن ما الذي جعله أكثر رعبا من سابقيه؟.

هناك بعدان أساسيان: يتمثل البعد الأول في أن العلم لم يكن متقدما في السابق كما هو عليه الأمر اليوم، فمنذ جوائح الجذري، التيفوئيد، الكوليرا، الطاعون الأسود أو الذبلي…

كان حتى العلماء يفسرون هذه الأوبئة بشكل غيبي، أو يتكئون على التفسير السحري أو الديني الذي يعيد الأوبئة إلى السخط أو الانتقام أو العقاب الإلهي، وهناك بعد آخر مرتبط بأن فيروس كورونا جاء في زمن التواصل الاجتماعي، وهذا ما منحه جمالية خاصة بمعنى شاعري فقط.

هناك العديد من الرسائل، الصور، الفيديوهات التي تتقاطر علينا في كل ثانية وتدخلنا في سلسلة من الرعب والخوف..

لكن المفترض أن العلم بالشيء خير من جهله، ومن ثم فإن ما تم تداوله في وسائط التواصل الاجتماعي كان مانعا لسقوط الكثير من الأرواح، وفي نشر التوعية بخطر الفيروس، فكيف تتحول هذه الوسائط إلى وسائل في خلق هالة الإمبراطور كوفيد التاسع عشر، كما ذهبت في تفسيرك؟.

سأحكي لك حكاية تلخص ما أردت قوله بالضبط حول الفيروس وما يحكى عنه في وسائط التواصل الاجتماعي. يقال إن الطاعون كان قاصدا دمشق فالتقى بقافلة سيارة في الصحراء، سأله قائدها: لم العجلة أيها الطاعون؟ فأجاب: إنني ذاهب إلى عاصمة سوريا للقبض على ألف روح.

وكان الطاعون قد اجتاح دمشق وخلق آلاف القتلى، وقفل عائدا ليلتقي القافلة ذاتها التي وصلتها مصائب ما أحدثه الطاعون في الشام، فسأله رئيسها باستغراب: “لقد قلت إنك ستأخذ ألفا فقط، فإذا بك تقبض على 40 ألف حياة، فرد عليه الطاعون: لا، والله أنا وفي لعهدي، لم آخذ إلا ألفا من الناس، أما 39 الأخرى فقد قتلها الخوف والذعر..

والمغزى الأساسي من هذه الحكاية هو أن هناك كورونا وهناك الكورونافوبيا، أي الحكي حول الفيروس ذاته، الذي خلق حالة من الذعر والالتباس…

(مقاطعا) لكن هل تعتبر وسائط التواصل الاجتماعي هي المسؤولة عن خلق حالة الذعر أو ما سميتها بـ”الكورونافوبيا”؟.

بالضبط، الأصعب ليس هو الموت، والأشد وطأة ليس أن تعرف أنك ستموت، فذلك قدرنا كبشر، تلك سنة الله في خلقه، الخطورة أن نتصور موتنا قبل أن يحدث. يقول الفرنسيون: “ليست الشوكة الطبية هي المؤلمة ولكن اللحظة السابقة عليها”.

كان الإنسان قديما يموت دون أن يسأل، إما لأن الموت يأتيه مفاجئا، ضربة واحدة وانتهى الأمر، أو لأنه يؤمن به مثل بطل تراجيدي يسير نحو حتفه ليرضي اطمئنان الآلهة، أو يحافظ على المنطق الذي سيسود العالم، واليوم مع وسائط الاتصال الجماهيري، نعيش موتنا قبل أن يحدث. أي واحد يسعل اليوم يعتقد أنه مصاب بكورونا، أي عضو يؤلمنا يتداعى له باقي الجسد بالسهر والحمى..

إننا ـ بمعنى ما- نعيش موتنا حتى قبل أن يحين، والسبب هي وسائط التواصل الاجتماعي التي تمطرنا بالشيء ونقيضه، عشرات الرسائل، الصور ومقاطع الفيديو تنثال علينا كل ساعة، حول فيروس كورونا تقول الشيء ونقيضه، ذات وظائف متعددة: التوعية، التعتيم، التضليل، التربية، التجهيل، الإخبار، السخرية، المؤامرة، الإشاعة، المعلومة…

سيل خطير من المحكيات حول كوفيد التاسع عشر، أدخلت الفيروس في دائرة الالتباس وضخمت موقعه أو هونت في البدايات خاصة من خطورته وأنه يمكن أن نقاومه بالقرنفل والثوم والزيت البلدي..

أبطال هذه المحكيات أو ساردوها هم أطباء، تجار الويب، أشباه متعلمين، السحرة الجدد لوسائط التواصل الاجتماعي الذين يفقهون في كل شيء، جهلة وأميون، أجهزة مخابرات سرية ذات مصالح متناقضة..

في حديثك عن الكمامة أو القناع الصحي عدت إلى التاريخ وبحثت عن الدلالات المختلفة، ما هو البعد الذي توحي لك به الكمامة في زمننا كرمز للوقاية من فيروس كورونا؟.

قادني البحث في سيمياء الكمامة إن جاز القول إلى العثور على تعدد معانيها بسبب السياقات التاريخية والأنساق الثقافية التي تعبر عنها، من القناع الصحي الذي كان يعبر عن تميز علمي أو يشير إلى تراتبية مهنية لدى الأطباء والجراحين خاصة، أو لدى بعض المهن مثل قناع اللحام وأقنعة الغاز حتى القناع الذي كان يرتديه المحاربون في مرحلة أولى لإرهاب عدوهم بالشكل الحيواني الذي يتخذه، أو للوقاية من الإصابة بسيوف ورماح العدو، إلى جانب الدلالات الدينية والثقافية للقناع كما في الثقافة الإسلامية، حيث كان اللثام أو الحجاب يرمز إلى الستر والعفة، أو كرمز للبطولة والفحولة كما في ثقافة الطوارق التي تعتبر أن من يتخلى عن لثامه أفظع ممن يتخلى عن سرواله.

بالإضافة إلى لعب اللثام دور الخديعة والتستر وإخفاء الشخصية الحقيقية. وفي مرحلة معاصرة اتخذ القناع طابعا ثوريا للاحتجاج، هذا عدا استعماله في المسرح والكرنفالات والحفلات التنكرية الباذخة ولدى المهرجين أو المجرمين ولصوص البنوك وقطاع الطرق..

اليوم شكل ثان قناعنا الصحي.. لقد أصبحت الكمامة رمزا مكثفا لعصرنا يخفي تحته طبقات عميقة من الأساطير والرموز ستحتاج إلى عالم بحجم ليفي ستراوس للبحث عما وراء الأقنعة الصحية التي نرتديها.. إنها أسطورة عصرنا، كممت فمنا مجرى اللغة والتواصل الذي اعتدناه. لذلك قلت إن الكمامة ستغير الكثير فينا، فلم يصبح الفم والأنف مركز جماليتنا، وقد تعود للعيون سحرها ولغتها كما في القديم.

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق