الداخلةطنجة

التوجس الإسباني من المغرب يسائل مستقبل العلاقات الثنائية

يحذر الكاتب طالع سعود الأطلسي من الاعتقاد أن المغرب سيكون مستكينا تحت جناح إسبانيا، أو يكون مجرد مفيد لها، كما تريد هي.

ويرى الكاتب المغربي في مقال له، عن استفادة إسبانيا من علاقتها مع المغرب دون أن تبذل جهدا لإفادته أيضا، أن المغرب “يريد أن يتبادل الفائدة والإفادة مع إسبانيا؛ كيف يفتحا سويا آفاقا جديدة في علاقاتهما الثنائية، الغنية والواعدة وذات الروافع التاريخية، الجغرافية، السياسية والاقتصادية…ويربحا معا، ويشتركا معا في الربح، في السلم، في الأمن وفي التقدم”.

ونبه طالع سعود الأطلسي إلى أن ذاك الخيار سيكون أفضل من أن تركب أطراف سياسية إسبانية صهوة مبدأ “تقرير المصير” الفضفاض ومتعدد الصيغ والتطبيقات.. “ليتحكم العقل والمصلحة التاريخية والفائدة المشتركة لانتهاز ما تفتحه التطورات الأخيرة في الصحراء المغربية، وللمغرب والمنطقة عامة”.

وهذا نص المقال:

التطورات النوعية التي حركت معطيات قضية الصحراء المغربية، عبر المد الدبلوماسي الذي اكتسحها بقنصليات أجنبية وباعترافات رسمية وازنة تكرس شرعية الحق المغربي فيها وصواب مقترح الحكم الذاتي المغربي لحل المنازعة حولها… تلك التطورات أطلقت متغيرات جيوستراتيجية في المنطقة، وتمكن المغرب من قدرات جديدة ومؤثرة في حركيته، خاصة مع الحلول النوعي في المنطقة وفي مسار حل النزاع للإدارة الأمريكية ولدول خليجية. مع كل ما لتلك الحلول من امتدادات ومفاعيل ارتدادية سياسية واقتصادية تعيد تشكيل التأطير الإستراتيجي للمنطقة من الفاعلين أو المتدخلين فيها.

إسبانيا المتصلة بالمنطقة وبقضية الصحراء بالتماس الجغرافي مع المغرب وبتاريخ استعمارها للمنطقة… معنية بأن تجدد تفاعلها وموقعها في المسار الإستراتيجي والتنموي للمغرب، وأن تضخ في قربها الجغرافي والتاريخي معه أنفاسا جديدة تنمي التقارب وتجلي غبش التباسات تتعاطى بها في علاقاتها معه… وذلك بالقطع مع بعض تأرجحاتها وبعض ارتباكاتها.

بعض أطراف الفعل السياسي الإسباني، المصنفة يمينية، يسكنها عداء للمغرب، حتى وهي لا تقولها بوضوح، موروث من تلك العقيدة العسكرية التاريخية التي يفترض أنها تقادمت ومفادها “المغاربة يهجمون” (إلمورو أتاكا). وبعض الأطراف الأخرى المصنفة يسارية جدا تحشر نفسها في النزاع حول الصحراء المغربية، من موقع الراعي لحركة البوليساريو الانفصالية كما لو أنها الأب غير الشرعي لها، يكفر عن خطيئته. وتحاول النفاذ بتلك الرعاية إلى العلاقات الإسبانية المغربية لتفرمل حركيتها. وتجد الأطراف الأخرى من اليمين ومن اليسار نفسها في موقع المهادن والمتردد والمساير، ما يسمح بأن يسري في وعي، وحتى لا وعي، عموم النخبة الحاكمة أو الفاعلة في إسبانيا، توجس وحذر من المغرب، يحدث لديها ارتباكا في التعامل معه، ملحوظ وصارخ للملاحظ…

عدم تناسب وعدم تفاعل ما بين السياسي والاقتصادي في العلاقات الإسبانية مع المغرب.. أزيد من 1000 شركة إسبانية تستثمر في المغرب.. إسبانيا تجاوزت في ذلك فرنسا الشريك التقليدي للمغرب.. إلى حدود الفصل الأول من ديسمبر 2019، أثبت مكتب الإحصاء الأوروبي أن إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، سواء من جهة الواردات أو الصادرات، وهي تحوز نسبة 33.5 في المائة من مجموع الصادرات الأوروبية للمغرب، بعيدا عن فرنسا وألمانيا مثلا. والمغرب بهذا هو الوجهة الأولى للاستثمارات الإسبانية في إفريقيا. تضاف إلى ذلك الاتفاقات المغربية الأوروبية في الصيد البحري، التي تستفيد منها إسبانيا أساسا. إنه ضمور في السياسة تقابل كثافة الحضور الاقتصادي. غير معقول.

إسبانيا، الحكومة، بكل تلك المعطيات، بتلك الحظوة التي مكنها المغرب منها، يفترض أن تجعل من السياسة إسمنت تمتينها وتأمينها، وهي تستشعر ضراوة المنافسة على “المجال” المغربي من جهة عدة أطراف أوروبية، الصين وتركيا وغدا أمريكا واليابان … لن أعود إلى سوابق المشاغبة الإسبانية ضد المغرب في سعيه إلى إرساء دعامات قوية لاقتصاده، من نوع تشييد ميناء طنجة المتوسط، وما أبدته إسبانيا من مشاكسات ضده… وقد حاولت التأثير على الاتحاد الأوروبي في عدم التجاوب مع طلبات المغرب للدعم أو للاقتراض من أجل إنشائه…وهو ما فوت على إسبانيا إمكانية الاندماج في ذلك المنجز الاقتصادي المتوسطي الذي له اليوم عائدات ربحية هامة اقتصاديا وتجاريا واجتماعيا وسياسيا.

لنبقى في هذا الحاضر الذي نعيشه، اجتماع اللجنة العليا المشتركة، التي تبحث مجالات وآفاق التعاون في جملتها… تأخرت عن الانعقاد.. مرتين وهي تؤجل بأعذار غير مقنعة… وعاد مؤخرا رئيس الحكومة بدرو سانشيس في اجتماع مع السفراء، هو الأول منذ 2008، ليعوم ذلك الاجتماع ضمن إستراتيجية إسبانيا مع دول المغرب الكبير… إنه الارتباك والتردد في هذه العلاقة لأسباب داخلية، وربما لمراعاة خارجية.

لو أن الحكومة الإسبانية أسست على موقعها الاقتصادي المميز في المغرب وتفاعلت مع معطيات التحولات المغربية الناضحة بخصوبة المسار التنموي الذي يقوده جلالة الملك على مدى عقدين… مسار أنتج مغربا آخر متحركا على سكة التقدم، ومن أبرز مؤدياته تعضيد البعد الإفريقي المغربي… بما قلص من الميولات الانعزالية، ونمى النفس التضامني والتعاوني والتفاعلي بين المغرب وعديد من الأقطار الإفريقية… وبالتالي ضمرت وانكمشت حاضنات العداء والانفصال ضد المغرب…وبالتالي كانت إسبانيا ستذهب بعيدا مع المغرب إلى إفريقيا، التي هي المستقبل المشترك، لو أن تلك “اللو” تحققت، لكانت إسبانيا أسبق إلى الصحراء  وإلى الداخلة من الإدارة الأمريكية… ولما كانت انزعجت من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وقد قرأته موجها ضدها… فقط لأنه يقوي المغرب، يدعم مساره التنموي، ينتصر لحقه الوطني، يعزز مقترحه السلمي لحل النزاع، يبطل مفعول استفراد، حتى لا أقول ابتزاز، إسباني متوهم له.

منذ 2008 لم ينعقد مؤتمر السفراء الإسبان في مدريد.. انعقد الإثنين المنصرم. باتت السياسة الخارجية الإسبانية في حاجة إلى إعادة تأطير وتوجيه.. ليس بسيطا ما يحدث جنوب المتوسط وبالذات في المغرب. في المؤتمر قالت وزيرة الخارجية الإسبانية السيدة غونزاليس لايا إنه “من الضروري إعادة التفكير في العلاقات عبر الأطلسي” التي تجمع إسبانيا مع الولايات المتحدة الأمريكية، مضيفة أن “ترامب تحدى قواعد اللعب على الصعيدين الوطني والدولي بطرق مختلفة وخلق حالة من عدم اليقين”.

للعودة إلى ما تعتبره الوزيرة يقينا وقواعد لعبة مريحة لها، سارعت إلى الإعلان عن وجود اتصالات بين إسبانيا ومساعدي الرئيس بايدن من أجل إلغاء قرار ترامب بخصوص مغربية الصحراء، (وقد نقل عن الرئيس الأمريكي الجديد تمسكه بقرار ترامب)… إذا لم يكن هذا انزعاج من تحقيق المغرب لمكتسب هام وانحشار في علاقة ثنائية سيادية له مع بلد آخر… فماذا يكون؟…

ولم تكن الوزيرة، في هذا التصرف بمفردها، بل إن بابلو اكليسياس، زعيم حزب بوديموس، المشارك في الحكومة، يتحرك في الاتجاه نفسه.. وترجمة “حالة من عدم اليقين” سياسيا، هي أوضاع جيوستراتيجية جديدة، وهي التي استدعت عقد المؤتمر نفسه لبحث “برامج ومبادرات تستهدف تقوية حضور إسباني على الساحة الدولية”، كما قال رئيس الحكومة السيد بدرو سانشيس، مضيفا أن “هذا العقد يجب أن يكون عقد إفريقيا” بحضور أكبر للشركات الإسبانية في إفريقيا… في اتجاه هذه الإستراتيجية، وبنظر واقعي، يفترض أن تضع إسبانيا يدها في يد المغرب، ليذهبا سويا بتعاون وعلى قاعدة رابح رابح إلى إفريقيا، وأن يستدعيا إفريقيا إلى شمالها وإلى البحر الأبيض المتوسط… غير أن السيد سانشيس لم يقدم للمغرب في المؤتمر ما يطمئنه على تصرف إسباني حكيم في موضوع نزاع الصحراء، يستفيد من متغيرات الملف ومتغيرات المنطقة كلها، حين تحدث عن “الحاجة إلى استئناف المفاوضات من أجل إيجاد حل سياسي عادل ودائم للنزاع في الصحراء الغربية”…أسقط من تعريفه للحل شرطية التوافق عليه ومقبوليته من الأطراف، بما يلغي مطلب الجزائر لتقرير المصير، متجاوزا بذلك قرار مجلس الأمن الذي يعيب على ترامب أنه خرقه؛ بينما سبق لوزيرة الخارجية في حكومته، في تصريح سابق لجريدة اسبانية، قبل مؤتمر السفراء، أن قالت: “ما يهم الآن هو أن يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين مبعوث خاص جديد للصحراء الغربية لقيادة الجهود للتوصل إلى حل متوافق عليه بين جميع الأطراف”. من يصدق المغرب، الوزيرة أم رئيس الحكومة؟. إنه الارتباك في التوجهات الإسبانية والمقلقة للمغرب…

وليس مهما أن نتوقف عند توجسات ومخاوف مختلقة أو متوهمة من تداعيات على تغييرات في توازنات القوى العسكرية في المنطقة. إذا ما عزز المغرب ترسانته العسكرية، بصفقات أسلحة متطورة مع الولايات المتحدة تشمل طائرات نفاثة وطائرات مسيرة وحتى آليات مدفعية بالغة الفعالية وبعيدة المدى… أما بهارات هذه التخوفات من تدجيج القدرات العسكرية المغربية فهو الحديث، غير المسنود وغير الرسمي وحتى جرى نفيه، عن احتمال نقل القاعدة العسكرية الأمريكية من قادس جنوب اسبانيا إلى القصر الصغير. وقد وجد من “فتح” قاعدة عسكرية أمريكية في الصحراء المغربية. وتم نفي وجود النية لذلك.

لا يتوهمن أحد في إسبانيا أن يكون المغرب مستكينا تحت جناحها، وأن يكون مجرد مفيد لها، وكما تريد هي… مفيد لها وهو يفتح لها مجالات متنوعة، وبأفضليات للاستثمارات… مفيد لها وهو يطارد، لخدمتها، أفواج المهاجرين غير الشرعيين، في البر وفي البحر… مفيد لها وهو يسعفها بخبرته الأمنية مثبتة الفعالية في مواجهة الإرهاب… المغرب يريد أن يتبادل الفائدة والإفادة مع إسبانيا… سويا، يفتحا معا آفاقا جديدة في علاقاتهما الثنائية، الغنية والواعدة وذات الروافع التاريخية، الجغرافية، السياسية والاقتصادية… يربحا معا، ويشتركا معا في الربح، في السلم، في الأمن وفي التقدم… بدل أن تركب أطراف سياسية إسبانية صهوة مبدأ “تقرير المصير” الفضفاض ومتعدد الصيغ والتطبيقات… تلك الأطراف نفسها ومعها غيرها داخل إسبانيا، التي رفضت الانفصال لكتالونيا وللباسك، وقررت لهما الحكم الذاتي أو التسيير الذاتي صيغة ديمقراطية لتقرير المصير داخل الوطن الواحد… بدل أن تركبها وتزعج مسار منطقة وشعوب ودول نحو التقدم… ليتحكم العقل والمصلحة التاريخية والفائدة المشتركة لانتهاز ما تفتحه التطورات الأخيرة في الصحراء المغربية، وللمغرب والمنطقة عامة… لكي تتضافر الجهود وتتفاعل في العلاقات الثنائية والعلاقات متعددة الأطراف، من أجل فتح، بل اقتحام، آفاق تنموية منتجة ومثمرة للجميع.

من ينهل من عسل المغرب غير مقبول أن يعاند ويقلق العسال.

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق