الرباطالناظور

استغلال الأطفال في التسول اتجار بالبشر

القضاء المغربي تفاعل إيجابا مع المشرع في تطبيق مقتضيات القانون

بقلم: إبراهيم عنترة *

أصبح التسول ظاهرة غير عادية تنتشر في مختلف الأماكن العمومية ببلادنا، خاصة في الشوارع، ومحطات المسافرين، وأمام أبواب المساجد، وفي الأسواق …، ويتعاطى هذه الظاهرة مختلف الأفراد من نساء وأطفال قاصرين وبالغين، ويتم استغلال الأطفال في هذه الظاهرة أسوأ أشكال الاستغلال الاقتصادي، إذ هناك أشخاص يقومون باستغلال أبنائهم في التسول أو يستغلون أطفالا غير أبنائهم، مقابل مبالغ مالية لأوليائهم، نظرا لما تدره هذه الظاهرة عليهم من أرباح مالية كبيرة دون عناء.

يعد التسول من بين أهم صور الاستغلال الجسدي في جرائم الاتجار بالبشر، والمشرع المغربي كان صائبا عندما نص على التسول ضمن صور الاستغلال في جريمة الاتجار بالبشر، وذلك تماشيا مع العديد من التشريعات الجنائية المقارنة الخاصة بمكافحة الاتجار بالبشر، ويمكن تعريف التسول بأنه: “استجداء أو طلب الصدقة من الغير بدون مقابل، أو في مقابل تافه لم يطلبه ذلك الغير مثل، (مسح زجاج السيارات أثناء إشارات التوقف). وبذلك يعد وسيلة غير مشروعة للتعيش، فضلا عن أنه جريمة مستقلة يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي في الفصل 326 وما بعده من القانون الجنائي، بحيث نص المشرع على عقوبات حبسية تصل إلى ستة أشهر حبسا نافذا، مع إفراده لعدة ظروف مشددة قد تصل معها العقوبة إلى ثلاث سنوات حبسا نافذا (الفصل331)، معتبرا أن المتسول هو من لديه وسيلة للعيش أو كان بوسعه الحصول عليها بطريقة مشروعة، لكنه تعود ممارسة التسول في أي مكان كان.
وتتمثل صور التسول في جريمة الاتجار بالبشر، في أن الجاني يتملك الضحية ويحوله إلى مجرد وسيلة يُكوِّن منها الثروة عن طريق إكراهه على التسول، ويتم ذلك بتنظيم تسوله من خلال تشغيله وتدريبه ثم توجيهه للطرقات والأماكن التي تقدم فيها التبرعات والهبات، ويكون دور الضحية – الطفل المجني عليه- هو جمع الأموال والتبرعات وتقديمها للجاني –المتاجر-. ويهدف تنصيص المشرع المغربي على هذه الصورة، إلى قمع “الجاني” الذي يتاجر بتسول الغير، وبالتالي فالتسول في جريمة الاتجار بالبشر يختلف عن جريمة التسول العادية المنصوص عليها في الفصل 326 من القانون الجنائي، فإذا كان الاعتياد على ممارسة التسول مجرما بموجب الفصول المشار إليها أعلاه، فإن الجديد في قانون مكافحة الاتجار بالبشر هو تجريم استغلال الغير في التسول.
وقد تفاعل القضاء المغربي إيجابا مع المشرع في تطبيق مقتضيات قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 27.14 في ما يتعلق باستغلال الأطفال في التسول، وأصدر عقوبات مشددة في حق الجناة. ومن التطبيقات القضائية في هذا الصدد وجبت الإشارة إلى القرار الجنائي الصادر عن محكمة الاستئناف بخريبكة، والمتعلق بامرأة توبعت من قبل النيابة العامة من أجل الاتجار بالبشر في حق رضيعة باستغلالها في التسول، إذ جاء في حيثيات القرار: “”وحيث إن إنكار المتهمة ما هو إلا وسيلة للإفلات من العقاب وتكذبه تصريحاتها التمهيدية التي أفادت خلالها أنها تسلمت رضيعة من عند صديقتها (س.ز) حيث توجهت هذه الأخيرة إلى مدينة الناظور، وأنها مقابل عمولة مالية تسلمها للأم البيولوجية حسب الثابت من الحوالة المالية المقدرة في مبلغ 1500 درهم، وأنها عملت على التسول باستغلال الرضيعة مرتين بهدف الحصول على مبالغ مالية.
وحيث إنه طبقا للفصل 1-448 يقصد بالاتجار بالبشر تجنيد شخص أو استدراجه أو نقله أو تنقيله أو إيوائه أو استقباله أو الوساطة في ذلك بواسطة التهديد بالقوة أو باستعمالها أو باستعمال مختلف أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة أو النفوذ أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة … وأنه لا يشترط استعمال أي وسيلة من الوسائل المنصوص عليها في الفقرة الأولى أعلاه لقيام جريمة الاتجار بالبشر اتجاه الأطفال الذين تقل سنهم عن 18 سنة بمجرد تحقق قصد الاستغلال، طبقا للفقرة الثانية من نفس الفصل.
وحيث إنه بذلك تكون العناصر التكوينية لجناية الاتجار بالبشر في حق رضيعة باستغلالها في التسول ثابتة في النازلة مما يتعين معه إدانتها من أجلها””.
قرار جنائي ابتدائي رقم 35 بتاريخ 03/07/2019 في الملف الجنائي عدد 13/2642/2019 أدينت المتهمة بخمس سنوات سجنا نافذا، وهو القرار الذي تم تأييده بموجب القرار الاستئنافي عدد 55، بتاريخ 23/12/2019 في الملف الجنائي الاستئنافي عدد 90/2019.
ومن أجل محاربة ظاهرة استغلال الأطفال في التسول عملت وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة بشراكة مع رئاسة النيابة العامة، على وضع خطة عمل لحماية الأطفال من الاستغلال في التسول. وخلال اجتماع اللجنة المركزية لقيادة وتتبع هذه الخطة الذي ترأسته الوزيرة و رئيس النيابة العامة بتاريخ (فاتح فبراير 2021) بالرباط، والذي خصص لتقديم حصيلة فرق العمل الميداني بالرباط وسلا وتمارة، تجربة نموذجية بعد مرور سنة على إعطاء الانطلاقة لخطة العمل، قالت الوزيرة، في كلمتها للمناسبة إن فريق العمل الميداني لحماية الأطفال من الاستغلال في التسول تمكن إلى غاية نهاية فبراير 2020 من معالجة 97 حالة، مشيرة إلى أن المرحلة التي تلتها تميزت بالإجراءات المرتبطة بالحجر الصحي، ما ساهم في غياب هذه الظاهرة. وبعد الرفع التدريجي للحجر الصحي تمكن الفريق من نهاية يوليوز إلى 15 دجنبر 2020 من حماية 45 طفلا، ليصل العدد الإجمالي منذ بداية الخطة إلى حماية 142 طفلا، 79 من الإناث و63 من الذكور.
من جهته أكد رئيس النيابة العامة أنها عملت على تفعيل دورها القانوني في هذا المجال بتعاون وثيق ومتميز مع مصالح الشرطة القضائية لضبط الأشخاص الذين يستغلون الأطفال في التسول في تلك المدن، وساهمت بفعالية في معالجة تلك الحالات بتعاون وتنسيق مع شركائها في هذه الخطة، مستعملة في الوقت نفسه صرامة الدعوى العمومية في مواجهة الجناة الذين يتاجرون بالأطفال ويستغلونهم استغلالاً مقيتاً في التسول. وقد مكنت الخطة من معالجة 142 قضية تهم استغلال الأطفال في التسول بمدن الرباط وسلا وتمارة، بينما على مستوى المعالجة القضائية فقد تم استصدار مقررات تناسب كل حالة، سواء تعلق الأمر بإرجاع الطفل إلى وسطه الأسري، أو إيداعه في مؤسسة للرعاية الاجتماعية إن تعذر الإرجاع للوسط الطبيعي.
وتجد الإشارة إلى أن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لسنة 2020 حول مكافحة الاتجار بالبشر في العالم قد نوه بهذه المبادرة، معتبرا إياها “مبادرة جديدة لمكافحة التسول القسري للأطفال”. ومن أجل القضاء على هذه الظاهرة يجب العمل على تضافر جهود كل المؤسسات المعنية، والمجتمع المدني، بالتحسيس بمخاطرها على الأطفال، وتوعية الأسر بعدم إشراك أطفالها في التسول، من أجل حماية ناجعة لأطفالنا من هذه الآفة الخطيرة.
* باحث بسلك الدكتوراه

المصدر : assabah.ma

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق