حوادث

استقلالية هيأة العدول بين الواقع والملاءمة

بقلم: ذ.طارق القاسمي*

مفهوم الوصاية الإيجابي للوزارة الوصية ظل غائبا في مقاربته لإصلاح مهنة التوثيق العدلي

توصلت وزارة العدل بشكايات من مجموعة العدول الجدد، سواء الذين ولجوا المهنة في إطار نظام المباراة، أو المعفيين طبقا للمادة 9 من القانون 16.03، يتظلمون فيها من رفض بعض رؤساء المجالس الجهوية تمكينهم من مذكرات الحفظ للشروع في ممارسة مهامهم، رغم استيفائهم الإجراءات القانونية بعلة عدم أداء واجبات الانخراط التي تتراوح بين 20 ألف درهم و100 ألف، حسب كل فئة.

راسلت الوزارة الوصية الهيأة الوطنية للعدول، طالبة منها موافاتها بكل استعجال بلائحة المجالس الجهوية التي لم تسلم بعد مذكرات الحفظ للعدول الذين تم تعيينهم حديثا، حتى يتأتى لها اتخاذ الإجراء المناسب عند الاقتضاء، استنادا الى أن القانون المنظم للمهنة لم يربط تسليم مذكرات الحفظ للعدول بأداء أي مبلغ مالي كيفما كان، وهو الأمر الذي يخول للوزارة الوصية إمكانية سحب الإذن بطبع المذكرة “.
ويمكن للوزارة ضمانا لحسن سير جهاز التوثيق سحب الإذن المذكور، كلما اقتضت المصلحة ذلك، والقيام بطبع وتوزيع ما ذكر أعلاهطبقا للفقرة 4 من المادة 70 من قانون خطة العدالة.
وإذا كانت الوزارة تسعى -على ما يبدو- من خلال مراسلتها إلى لعب دور الوصاية المنوط بها حسب الفقرة 4 من المادة 70 من قانون 16.03 المنظم لمهنة العدول، فإننا نسجل تحفظنا على هذا الأساس القانوني الذي استندت إليه المراسلة.
وبعبارة أدق القراءة الانتقائية للمادة 70 من قانون المهنة، والاقتصار على تنفيذ الفقرة الرابعة منها بعلة المصلحة التوثيقية، ووقف تنفيذ باقي فقرات المادة 70، التي تمنح المكتب التتفيذي بعض الصلاحيات ومنها تعديل النظام الداخلي للهيأة والذي أثار بدوره نقاشا عميقا حول شرعية المبالغ المالية المقررة بعد تعديله من قبل المكتب التنفيذي، بعلة عدم ربط تسليم مذكرات الحفظ بأداء أي مبلغ كيفما كان، وإذا كانت هذه العلة الأخيرة سليمة ، تستوجب إبداء الملاحظات التالية حول الفقرة الرابعة من هذه المادة والتينجملها في ما يلي:
أولا: أن هذه الفقرة قد تثير إشكال إمكانية تعارضها مع مقتضيات الوثيقة الدستورية، إذ نعتقد أنها تضرب في العمق مبدأ المساواة والاستقلالية للهيآت المهنية، إلى جانب مواد أخرى!
ثانيا: مراقبة مدى شرعية الأنظمة الداخلية المحدثة، أو المعدلة من قبل الهيآت المهنية، عموما وهيأة العدول خصوصا، اعتمادا على نصوصها القانونية التي تعطيها هذه الصلاحية، يرجع أمر البت فيها للقضاء دون غيره!
ثالثا: مفهوم المصلحة المنصوص عليه بالفقرة الرابعة من المادة 70 أعلاه، مفهوم فضفاض وواسع، وتفسيره وتقديره يخضع بدوره لرقابة القضاء الإداري، وليس لسلطة الوصاية!
رابعا: طبع المذكرة وإن كان بإذن من الوزارة الوصية حسب النص، إلا أنه يعتبر من الحقوق المكتسبة التي لا يمكن سحبهابالسهولة التي يراها البعض،لأنه ترتبت عنه مراكز قانونية…،ولا يمكن بأي حال من الأحوال سحبه إلا بناء على قرار إداري معلل تعليلا مقنعا يراعي المراكز القانونية التي أنشئت، وينسجم مع المقتضيات الدستوية، والقانونية لباقي الهيآت المهنية،وروح توصيات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة،وهو أمر صعب المنال، فضلا على أنه في حالة المنازعة مثلا في قرار سحب الإذن بطبع مذكرة الحفظ بين الهيأة الوطنية للعدول والوزارة الوصية فإن الجهة الموكول لها حل الإشكال هي القضاء.
خامسا: بصرف النظر عن النقاش الذي أفرزه تعديل النظام الداخلي للهيأة الوطنية للعدول، وعن شرعيته التي يرجع للقضاء الإداري وحده الحسم فيها، نتساءل عن جدوى تبليغ نسخة منه إلى وزارة العدل وجهات أخرى حسب الفقرة الثانية من المادة 70 من قانون 16.03!
إضافة إلى الملاحظات المشار إليها حول الأسس التي استندت إليها المراسلة الوزارية أعلاه، نسجل بكل أسف وتذمر أن مفهوم الوصاية الإيجابي للوزارة الوصية ظل غائبا في مقاربته لإصلاح مهنة التوثيق العدلي رغم التعليمات الملكية السامية في هذا الصدد التي تدعو إلى ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لولوج المرأة لممارسة مهنة التوثيق العدلي، ولعل أهم هذه التدابير ملاءمة قانون المهنة مع المرجعية الدستورية وتوصيات إصلاح منظومة العدالة التي لا سقف لها إلا سقف الدستور، حيث إن من أهم التوجهات والتوصيات، كما سماها مشروع إصلاح منظومة العدالة، التوصيات الآتية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر:
التوصية رقم 12- مراجعة التشريعات المنظمة للمهن القضائية والقانونية في اتجاه تعزيز استقلالها، وكذا توطيد خضوعها ولوجا وتنظيما وتدبيرا، لمبادئ المنافسة والشفافية والمسؤولية والمساواة أمام القانون بما يخدم المصلحة العامة؛
التوصية رقم 171-انخراط المهن القضائية والقانونية في جهود التحديث واستعمال التكنولوجيا الحديثة في تقديم خدماتها (آجال التنفيذ 2013 / 2020)؛
التوصية رقم 197- تعبئة المهن القضائية والقانونية للانخراط في مشروع المحكمة الرقمية، وللتواصل الرقمي مع المحاكم والاستفادة من الخدمات القضائية على الخط؛
هذه التوصية الأخيرة التي سطرت لها ٣ إجراءات:
الإجراء 342، عقد اتفاقيات شراكة بين المحاكم والمهن القضائية للتواصل الرقمي في ما بينهما؛
الإجراء 343، وضع المرجع الوطني للمنتسبين إلى المهن القضائية والقانونية؛
الإجراء 344،تحديث ومركزة أرشيف الوثائق المحررة من قبل العدول، قصد تسهيل الحصول على نسخ منها، وتجاوز طرق النساخة (آجال التنفيذ (2014/2015).
مما سبق، يمكن القول إنه إذا كانت هيأة العدول بالمغرب مازالت تعاني إلى حدود الساعة من مقتضيات قانونية تفتقد للشرعية الدستورية لعدم ملاءمتها مع دستور 2011، وتوصيات إصلاح منظومة العدالة، فإن الدور الوصائي الذي تتمتع به وزارة العدل جهازا حكوميا مازال دورا سلبيا في تفعيل مبادئ دستور 2011 الفضلى، وتوصيات إصلاح منظومة العدالة، وإيجابيا في تأويل وتفسير نصوص قانونية متآكلة متجاوزة “أكل الدهر عليها وشرب “، يفرض التعجيل بتعديل قانون المهنة وملاءمته مع دستور 2011 وتوصيات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، وتكريس الأمن القانوني بنصوص جيدة وتجاوز النصوص الرديئة التي تكرس اللا أمن والاضطراب داخل المجتمع.

عدل بدائرة نفوذ محكمة الاستئناف بسطات
* عضو المؤسسة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية

المصدر : assabah.ma

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق