الحسيمة

الساسي يقترح إطلاق حوار وطني لتسوية “ملفات الرأي” بشكل نهائي

تعليقا على سؤال الحل الممكن لـ”الملفات العالقة” المرتبطة بالاعتقال بسبب الاحتجاج، الذي يصطلح عليه بـ”الاعتقال السياسي”، وبالاعتقال الذي ترجح منظمات حقوقية وفاعلون سياسيون ارتباطه بالتعبير عن الرأي، يحصر الأكاديمي والسياسي محمد الساسي، في تصريح لـهسبريس، أربعة أنواع من هذه الملفات في المغرب، ويقترح حلا لها حتى لا يبقى “عطب في المسار السياسي”.

يأتي هذا في وقت تجددت فيه التعبيرات عن آمال “انفراج سياسي” يُفرَج فيه عن “المعتقَلين السياسيين والمعتقلين بسبب قضايا حرية الصحافة وحق الرأي والتعبير”، بعد إطلاق السراح المشروط الذي حظي به المؤرخ المعطي منجب، عقب إضرابه عن الطعام لمدة جاوزت عشرين يوما؛ لكن ما لبثت أن خمدت هذه التعبيرات بعد رفض متابعة الصحافي سليمان الريسوني في حالة سراح، بعدما قضى ما يقرب مِن سنة وراء القضبان.

وسبق أن تُنُوقِل على نطاق واسع تصريح سابق لمحمد الساسي، حول هذه الملفات، استقته جريدة “أخبار اليوم” قبل إغلاقها، قال فيه: “والله إني أسأل، بكل روح وطنية، أليس في هذه البلد من الجهة الأخرى عقلاء؟ إنكم تحرجوننا نحن المعتدلين، نحن الذين منذ منتصف السبعينيات راجعنا أفكارنا، وأطروحاتنا، وقمنا بإسقاط أطروحة إسقاط النظام السياسي كشرط للعلمية الديمقراطية… والله لقد أصبحنا ومواقفنا المعتدلة في حرج بكثرة هذه القضايا المسيئة إلى البلد”.

الاحتجاجات الاجتماعية

أول ملف بالنسبة إلى الأكاديمي والسياسي محمد الساسي هو ملف “الاحتجاجات الاجتماعية” بعدد من المناطق، وعلى رأسها منطقة الريف، والحسيمة تحديدا.

ويعود الساسي إلى ما قيل في بداية الحَراك من أجل “تجريم احتجاج الريف، حول وجود توجّه انفصالي”، قبل أن “يتم قمعه بهذا التبرير”. ثم يضيف: “بعد ذلك، تم قمع المحتجين بجرادة والمحتجين في زاكورة أيضا، دون أن يقولوا إن تجريم هذه الاحتجاجات وقمعها كان بسبب توجّه انفصالي، فهؤلاء لَم يرفعوا راية خاصة، ومع ذلك تم قمعهم”.

ويستحضر المتحدث ذاته ما قيل حول استعمال العنف في احتجاج الريف، ليقول: “لكن، السؤال هنا، إذا كانت هناك بعض مظاهر العنف، فهل كانت وليدة جوهر وفلسفة ومنطلقات الحراك التي اعتمدها منذ بدايته، أم أنها، إن شئنا، أعراض جانبية يمكن أن تصاحب أي حراك من دون أن تكون هناك مسؤولية ثابتة للنشطاء فيه؟ بل أحيانا في بعض البلدان تطرح مشاكل حول حقيقة المسؤول عن ذلك العنف؛ لأنه، أحيانا، يتم زرع عناصر تقوم بالعنف، ليوسم الحراك كله به. ولاحَظنا النشطاء الشباب وهم يكلفون لجان اليقظة، لحماية الممتلكات العامة والخاصة”.

ويزيد الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية: “حتى في الدول الديمقراطية، الاحتجاجات لا تَعدم، أحيانا، وقوع عنف؛ لكن لا يتم في هذه البلدان تحميل قادة الاحتجاج وزره، فضلا عن أن الحراكات، في أي بلد في العالَم، إذا وصل حجمها إلى مدى معيَّن، ومستوى تخرج فيه الأمهات والجدات، ويخرج فيه الأبناء والشيوخ والكبار والصغار، تنتقل من ملف قضائي إلى ملف سياسي، ولا يمكن أن تعالج الملفات السياسية بالمنطق القضائي، ومحاولة الحل بالأداة القضائية، إنما تكون محاولة تغطية على الجانب السياسي فيه، وفي مدينة الحسيمة عشرات الآلاف كانوا يتظاهرون، إلى درجة أننا نتساءل: مَن بقي في منزله ولَم يتظاهر؟”.

ويشدد الساسي على ضرورة معالجة الجانب السياسي في الحراكات بطريقة سياسية؛ لأن “المعالجة القضائية، حتى ولو قالت عن نفسها إنها تستهدف مَن تورّطوا في أعمال فيها خرق للقانون، فإن معاقبتهم تُعتَبر بالنسبة إلى مجموع المتظاهرين معاقبة لهم جميعا. وعندما يكون التظاهر شديد الاتساع، فهذا يعني بالنسبة إلى منطقة معينة أننا أصبحنا في حالة خصومة معها، مما يقتضي مصالحة، ومساطرَ، إلى غير ذلك”.

ويضيف: “هذا، فضلا على أنه قانونيا، عندما نكون إزاء الانتفاضات والمظاهرات، لَمّا تصاحبها أعمال مخالفة للقانون أو جرائم، فإننا نكون أمام مشكلة التفريد. وحتى إذا استطعنا أن نعزِل المسؤولين عن العنف أو أحيانا المقاومة التي زادت عن الحدود للسلطات العمومية، الذي هو عنف عرَضي وليس جزءا من الاحتجاج الذي لَم يعتمده في فلسفته ومنطلقاته، نجد في دول ديمقراطية مثل فرنسا (…) أحكاما مخففة جدا، في حق مشاركين في “السترات الصفر”؛ لأن القاضي تفهم السياق الذي تم فيه هذا العنف، وحتى من تورطوا فيه، لَم يخرجوا من أجل ذلك، ولَم يُحَمِّلِ القضاء المخططين والموجهين لهذا الحراك المسؤولية”.

أما عندنا، يزيد الساسي: “عندما تتدخل الآلية القضائية، فهي لا تتدخل من أجل زجر العنف الذي حصل، بل لزجر الحراك؛ لأنها ترفض الاحتجاج أصلا، فيصبح القضاء يلعب دورين، ليس دور متابعة أناس ارتكبوا جرائم، فقط، بل دور ضرب مثال للآخرين لكي لا يخرجوا، وقد نعتمد على قرائن ووقائع محدودة، لنقول إن هناك عنفا؛ لتصير القاعدة: عندما يكون هناك تظاهر يكون هناك عنف، وعندما يكون هناك عنف يجب أن ننتظر عقوبات، وعندما تكون عقوبات يجب أن ننتظر أن تكون قاسية جدا”.

وفي حديث عن مبررات إطلاق سراح المحتجين في الريف ومناطق أخرى، يقول القيادي اليساري إنه يكفي للقيام بذلك استحضار “الخطأ الفظيع الذي تمّ بعد تداول صورة ناصر الزفزافي (القائد الميداني لحراك الريف) عاريا، وهو داخل مؤسسات الدولة (السجن)، ولا يمكن أن تتحلّل الدولة من مسؤوليتها في إذاعة وترويج هذه الصورة التي فيها إهانة، لا شك في أن لها أثرها على مستوى أبناء الريف كلهم، بالنسبة إلى شخص أصبح في نظرهم أيقونة”، والإفراج “محاولة لعلاج الخطأ”، فضلا عن أن تقريرا للمجلس الوطني لحقوق الإنسان يقول إن “هناك عناصر تحملنا على الاعتقاد بشكل راسخ أو معقول بأن هناك تعذيبا، كان الواجب بعده أن تُبطَل المساطر كلها، ويطلق سراح الناس؛ لأن شائبة التعذيب وحدها، وعندما تعترف بها مؤسسة من مؤسسات الدولة، من الناحية القانونية، كانت تقتضي إبطال كل المساطر، وإطلاق سراح المعتقلين”.

صحافيون ومعارضون

يسجل محمد الساسي، في تصريحه لـ هسبريس، أن “عددا من الكتاب وممن تحمل أقلامهم وكتاباتهم نفَسا نقديّا معروفا، يتابعون اليوم بتهم غير سياسية، وغريبة نوعا ما؛ لأن الأمر إما يتعلّق بمتابعة عن أفعال جرت العادة أنها مخالفات متغاضى عنها في القانون الجنائي، فيما تطبّق في حق هؤلاء المعارضين، أو تستعمَل للتّشهير بهم، وإما يُعمَل على تطبيق القانون إزاءهم ويُحمَّلون بعقوبات في حدّها الأقصى، مقارنة بالمعتاد في تلك الجرائم، بالإضافة إلى تقنية التفسير الواسع للنصوص”.

ويقدم الساسي مثالا على هذا “التفسير الواسع للنصوص” قائلا: “ما معنى متابعة توفيق بوعشرين بالاتجار في البشر؟ فهذه جريمة لها مكوّناتها ولها أركانها، وإذا كان في إمكاننا أن ندخل في إطار الاتجار في البشر ما شئنا من الوقائع، فمعنى هذا أنه لَم يعد لمبدأ الشرعية الجنائية أي معنى”. ثم يزيد: “يضاف هذا إلى المساطر المَعيبة؛ فعندما تعترف النيابة العامة بأن وجود عبارة “تلبس” التي وُجِدت في المحاضِر في البداية كانت خطأ معنى هذا أن كل ما ترتّب عن وجودها يجب أن يبطل بحكم القانون، وإصلاح ذلك الخطأ يتمّ بإطلاق السّراح وإبطال كل ما تَمّ من إجراءات”.

ويضيف المتحدث: “عندما تقول لجنة تابعة للأمم المتحدة، حول ملف توفيق بوعشرين، إن الاعتقال كان تعسفيا، فتضَعُنا أمام شبهة المحاكمَة غير العادلة، وعندما ينضاف إلى ذلك أن دعامات الاتهام تتهاوى الواحدة بعد الأخرى، والمشتكيات إحداهن هربت، وإحداهن قالت عكس سبق لها قوله… وهو ما يعني (مع تهاوي دعامات الاتهام) أننا دخلنا مرحلة المحاكمَة غير العادلة، وتتأكد هذه الشبهة”.

التواصل الاجتماعي والحقوقيون

يسمي الأكاديمي محمد الساسي عددا من المغاربة الذين عرفوا باستعمال وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة “فيسبوك” و”يوتوب”، لبث آرائهم ومواقفهم، داخل المغرب وخارجه، بـ”النوع الجديد من المعارضين”؛ الذين “يستعملون أدوات ولغة غير معتادَة في المعارضة، وهم غير تابعين لأي أحزاب سياسية، وينطلقون من مبادرات فردية، ولا نعرف عددهم، ولا عدد المتابَعين منهم”.

ويذكر الساسي أن مع هؤلاء “المعارضين الجدد”، خاصة الموجودين منهم خارج المغرب، تُطرَح إشكالية “هل يمكن أن نُجبِر الخارج على مقاييسنا؟ خاصة أن مقاييسنا المُعتمَدَة تُعتبر، بالنسبة إلى العالَم، مقاييس قديمة لعصور مضت”.

ويزيد المصرّح شارحا: “عندما نعتَبر، مثلا، سبَّ المؤسسات مسا بها، مما يجعلها جريمة على درجة كبيرة من الخطورة. أما بالنسبة إلى العالم فيعتَبر نقد المؤسسات، وحتى المغالي منه الذي يستعمل كلمات التحقير في مواجهتها، مقاومة سلمية لها ويعتبرها العموم جزءا من الحياة الديمقراطية؛ لأن المؤسَّسات ليست مقدسة. ويدخل هذا في جرائم الصحافة التي لا تستدعي سلب الحرية في هذه البلدان، باستثناء الدعوة الصريحة إلى العنف، فبالأحرى أن نحكم على بعضهم بخمس سنوات سجنا بدعوى المس بالمؤسسات”.

ويرى الساسي أن الملف الرابع المرتبط بالمتابعة بسبب الرأي هو “متابعة نشطاء اعتمادا على تقارير حقوقية أصدروها”، مما يعني أن “هناك معتقلين، وأن هناك مسّا بالحريات والحقوق، وأصبح النظام السياسي يريد أن يفرض على الحقوقيين عدم التنديد”. ويضيف: “نلاحظ أن هناك مواطنين يتمّ المس بحرياتهم وحقوقهم، والتضامن معهم أصبح مسا بالمؤسسات، وهذا لَم نعشه في المغرب قطّ”.

“معارضَة لا إرهابي”

يرى الأكاديمي والسياسي محمد الساسي أن هناك توجها في المغرب نحو “توسيع دائرة معنى العمل الإرهابي في المغرب”، ويضيف: “العمل الإرهابي مُدان، ويجب أن يوضع له حدّ في إطار دولة القانون وحقوق الإنسان؛ لأنه يرمي إلى تقويض دعائم الاستقرار والسلم المدني في الدول، لكن ملفات أناس ليسوا بإرهابيين بل هم صحافيون أو حقوقيون أو مستعملو إنترنيت، لا يمكن تصنيفها في خانة الإرهاب، ولا معالجتها بنفس طريقة معالجة ملفات الإرهاب، ولا يمكن معاملة هؤلاء الناس وكأنهم إرهابيون”.

ويزيد الساسي: “الحال أن هناك فرقا بين هؤلاء المعارضين وبين الإرهابيين، فحركة الإرهاب باطنية، في حين أن عمل المعارضين مفتوح وجماهيري وعلني، ويجاهرون بقولهم ونشاطهم وحركيتهم، وضد الإرهاب يوجد تعاون دولي محمود واليقظة فيه ضرورية وتبادل المعلومات، في إطاره، مفيد بالنسبة إلى المغرب؛ لكن من يصنفون ضمن الملفات الأربعة سالفة الذكر، هم ضمن حركة للمعارَضة والاحتجاج، وملفاتهم علنية ويتتبعها الداخل والخارج، وفي مواجهة هذه الملفات لسنا أحرارا حتى ندخلها ضمن الإرهاب، ونحن مقيدون بالتزامات دولية”.

وفي دعوته إلى عدم معاملة ملفات التعبير عن “المعارضة” بنفس طريقة معاملة ملفات “الإرهاب”، يقول الساسي إن الإرهابيين “يسعون إلى قلب الأنظمة، والعودة إلى زمن الوحشيّة، بينما في الملفات الأربعة المطروحة نحن أمام حركات سلمية، حتى وإن لابَسها أحيانا بعض العنف الذي قد لا يكون وليد جوهرها وفلسفتها العامة؛ لأن جوهرها في الأصل سلمي”.

بالتالي، يؤكد الساسي، على عدم إمكان “أن نقول للعالَم في الملفات الأربعة إن هؤلاء المعارضين جزء لا يتجزأ في الحقيقة من ملف الإرهاب، لتعريفنا الإرهاب بطريقتنا. في حين إننا لسنا أحرار في تعريفه؛ وهم معارضون وليسوا إرهابيين، ولا يمكن أن ننتظر من العالَم أن يساعدنا في حربنا على المعارضين بنفس طريقة مساعدته لنا في حربنا على الإرهاب، وهناك أناس ليسوا إرهابيين في نظر الديمقراطية الغربية (ولو صنفوا داخل البلد كذلك)، والحال أن المغرب يطالب باعتقالهم وتسليمهم، بينما كل ما يتعلق بمجال الصحافة لا يقتضي الحبس ولا سلب الحرية، ولو كانت فيه تجاوزات فهي لا تحول أصحابها إلى إرهابيين، باستثناء إذا دعوا بشكل واضح ومباشر إلى العنف والإرهاب”.

“الحوار الوطني هو الحل”

حل الملفات العالقة المرتبطة بالرأي في مغرب اليوم، وَفق محمد الساسي، هو “الحوار الوطني”؛ حيث “يجب أن نعترف بأن علينا فتح هوامش حرية القول والتعبير وحركة الاحتجاج والتظاهر والتنظيم والتجمّع”، ويزيد: “كنا نقول دائما إننا لا نتوفّر في المغرب على ديمقراطية، لكننا نتوفّر على هامش ديمقراطي، واليوم المطالَب هو أن نحافظ على ذلك الهامش الديمقراطي، وأن نعمَل على أن يُفتح ويتّسع، لا أن يضيق”.

ويسجّل الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية أن “الأنظمة قد تنجح مؤقّتا في منع الناس من الخروج، مثلما كان يقع في سوريا أو ليبيا، ويمكنها أن تقول إن فتح الهامش الديمقراطي معناه تشجيع الناس على التظاهر والعصيان المدني والعقوق إزاء الدولة؛ لكن في الأنظمة مثل النظامَين السابق ذكرهما، عندما يخرج الناس يقررون ألا يعودوا إلى بيوتهم إلا بعد أن يسقط النظام أو أن يموتوا”.

ويشدد الساسي على وجوب “أن نُعَلّم الناس الخروج والدخول؛ فيخرجوا للتظاهر، وعندما يحصلون على مكسب يعودون إلى بيوتهم”؛ مع استحضار أنه “حتى في البلدان الديمقراطية، مثل فرنسا التي فيها مؤسسات معترَف بها من طرف الجميع وتستوعب مختلف التنظيمات القائمة في المجتمع وتجاوز مجتمعها مرحلة الانتقال الديمقراطي، ما يزال هناك خروجٌ إلى الشارع، ولكنه خروج ينتهي بتوافقات أو مكاسب”.

بالنسبة إلى المغرب، يؤكد القيادي اليساري أن هناك حاجة إلى “أن نُعوّد المواطنين على الخروج، لا أن ننزعج من خروجهم، لكي لا يصلوا إلى الحد الذي يخرجون فيه ويقررون عدم العودة”.

ويذكر المتحدث ذاته أن “الحوار الوطني” يجب أن يتم “مع رفع لسقف المُتاح”؛ علما أن في إتاحة الحديث في الإعلام العمومي للأصوات المعارضة، التي تتحدث وحيدة في المجال الرقمي، إعطاء فرصة لخصومهم حتى يتحدثوا، بحضور الطرف الآخر، مع ما يرافق ذلك من “اضطرار لاحترامِ المشاهدين واحترام المقام”؛ لأن “الديمقراطية ليست إلغاء للصراع بل هي تهذيب له”.

ويؤكد الساسي أن الدرس الأساسي الذي يجب استخلاصه هو أنه “لا يمكن أن يُحكَم المغرب بالطريقة نفسها التي كان يُحكَم بها في الماضي”؛ أي “لا يمكن أن يُحكم كما حُكم في مرحلة ما قبل الإنترنيت، وما قبل سقوط جدار برلين، وما قبل ما سمي بالربيع العربي، ونضيف اليوم أنه لا يمكن أن يحكم بنفس طريقة ما قبل كورونا”؛ لأن “للناس، اليوم، طلبا على الحرية، والاحتجاج، و”معرفة الأسرار”؛ فما نسميه أسرار دولة أصبح جزءٌ من المواطنين يعتبر معرفة الحقيقة فيه حقّا”.

ويرافق هذه المطالب، أيضا، حَسَبَ التصريح نفسه: “عرض متضخم للمعلومة أمام الناس، ويوجد خطر المعلومة غير الصحيحة، ويمكن أن يصدّق المواطن المعلومة ولو كانت غير صحيحة، إذا ما صاحبتها قرائن تجعله يطمئن إلى صحتها، ولو كانت خاطئة. وللناس اليوم عرض مقارن، في فضاء مفتوح، يمكن فيه الاستماع إلى مغاربة من عدد من أنحاء العالم، ويمكن تتبع هواجس، وتأمل واقع، قد يجد فيها الناس صدقية، ويتلقون معلومة صحيحة، ولكن يمكن أن يتلقوا بجانبها عشرات بل مئات المعلومات غير الصحيحة، ويضطرون إلى تصديقها”.

إذن، يضيف محمد الساسي: “لا بد من تنازلات، ولا بد من إصلاحات، وأظن بأن الملَكيّة في المغرب عليها أن تفهم، قبل أي طرف آخر، أنها أول من يجب أن يقوم بهذه التنازلات”؛ لأن “العالم العربي، اليوم، كله فيه مخاض، ومخطئ من يظن أنه سينتهي، بل سيستمر بأشكال مختلفة، فيها صعود ونزول، وسنعيش في منطقتنا كلها مخاضات عديدة، ولا يمكن لأي بلد من بلدان المنطقة أن يخرج منها دون أن ولادة هي الإصلاحات الكبرى التي تقدِّم فيها الأنظمة التي ما زالت تحتفظ بنوع من الشرعية تنازلات، وتفتح المجال للديمقراطية لتكون أكثر قدرة على مواجهة ما يقع وما قد يقع”.

وفي ختام تصريحه يربط الساسي بين “مطلب الإفراج والانتخابات”، مذكّرا بأنه “عادة في المغرب، كان الحسن الثاني يستبق الانتخابات بانفراج، لتجري الانتخابات في جو انفراج لا جو احتقان”، كما أن الانتخابات تتطلب “التعبير عن مختلف الآراء بكامل الحرية. وإذا كان أصحاب رأي موجودين في السجن؛ فقيمة النقاش الذي يجري في الانتخابات يصير محدودا”.

ويجمل الأكاديمي والسياسي قائلا: “غرضنا من الديمقراطية المغربية، كما نراها، هو أن يترشح الزفزافي، وأن يتيح هامش الديمقراطية إمكانية ترشّح هؤلاء المعتقلين، وذهابهم إلى البرلمان، وتعبيرهم عن آرائهم فيه (…) ويجدوا احتضانا داخل ذاك الفضاء المؤسسي”، وبالتالي: “كلما أطلقنا سراحهم، كلما أتحنا فرصة؛ فلا يجب أن نصل إلى حالة يكون فيها الشارع لوحده، والمؤسسات لوحدها، فحتى في الدول ذات المؤسسات العريقة وصلبة، يوجد شارع فيه حراك، لكن هناك تفاعل بين المؤسسات والشارع، أما إذا بقيت قطيعة بين دينامية المؤسسات ودينامية الشارع، وبقي عدم الاعتراف المتبادل؛ فهذا يعني أن في المسار السياسي عطبا”.

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق