الجديدة

لغة المنفى وتسريد المستقبل حول “الجنيس”

ما هي أزمة الرواية المكتوبة باللغة العربية؟ إنها ضحية التجريب والاستقلال الذاتي عن المتغيرات السوسيو ثقافية لزمن الرقمي؛ حيث ينمحي الفارق بين اللغة والأشياء. سبق للمفكر عبد الله العروي أن استنكر في وقت سابق ذلك القفز السريع على الواقعية دون تراكم يسمح بشروط الاستقلال والتدرج بين الأشكال، ما اعتبره خطأ تاريخيا وجب تصحيحه في الرواية وفي التشكيل وفي كل أشكال التعبير، يقول: (ما من بلد إلا وبدأ بدراسة وهضم التجارب الأخرى قبل الانطلاق)، وذلك في معرض حديثه عن الرواية العربية، ولكن أنشوطة الأزمة اليوم تزداد إحكاما حول طوق هذه الرواية نتيجة استثمارها في الشكل الفارغ والزائف معمقة بذلك عزلتها. هنالك في هذه الرواية فرط تضخم في سرديات تتوسل بلغة تجريدية أقرب للقصيدة منها للرواية؛ غموضها مرعب لأنه يبتلع كل شيء، بما في ذلك الإحساس والأفكار؛ ما قطع الخيط الرقيق الذي قد يصل هذه السرديات بمتلقيها؛ هذا الأخير الذي انصرف عن الرواية نحو الدراما التلفزيونية وقنوات اليوتيوب معتقدا في قرارة نفسه بأن الرواية والقصة القصيرة والمسرحية تجريد زائد وغير مجد.

أعتقد بأن هذا هو ما انتبه إليه المرحوم محمد أنقار وهو يكتب ملحمته الكبيرة باريو مالقا؛ حيث كل شيء عنده من شخصيات وأفكار وأمكنة مستمد من الواقع، وتميز الروائي لا يتحدد حينها إلا من مدى قدرته على استخراج مادة السيرة السردية من هذا الواقع، أو ما يسميه العروي بالسيرويةRomanesque.؛ والنتيجة فورية: شهدت رواية باريو مالقا إقبالا غير مسبوق، وسحبت منها طبعتان متتاليتان في أقل من سنة، ووصلت بعد عامين آخرين إلى طبعتها الخامسة، دون احتساب طبعة مشرقية ظهرت بلبنان.

كما أعتقد أيضا بأن أعمال الأستاذ عبد الحميد البجوقي السردية إن كانت تتميز بشيء؛ فهو هذا الطموح لاستخراج مادة السيروية من صلب حياة صاخبة وموزعة بين شمال/جنوب؛ حياة غنية بشخصياتها المتنوعة: (أفارقة تعساء، إسبان يمينيون ويساريون، غجر لا وطن لهم سوى الموسيقى، مغاربة مغلوبون ساقتهم أقدارهم نحو البحر، ولاتينيون رغم بعد المسافات لا يختلفون في شيء عن مصائر الأفارقة..) شخصيات عنوانها البارز التنوع، وقدرها المعاناة.. ومن كل هذه المواد ينسج الأستاذ البجوقي بلاغة سردية جديدة أصطلح عليها ببلاغة المنفى.. لا أقصد بذلك أن عبد الحميد البجوقي هو أول من سرد الهجرة روائيا وقصصيا؛ ولكنه الأديب الذي يبوئ المنفى مقام الهوية الروحية التي هي أبعد وأوسع من حدود الرواية ذاتها. ليس المنفى القسري أو الإرادي عند عبد الحميد البجوقي مجرد قضية تستوجب حلا سياسيا واجتماعيا؛ وإنما المنفى سؤال الوجود الذي يضع العالم المعاصر الذي استحوذت عليه قواميس حقوق الإنسان والديموقراطية والتنمية والتمثيل السياسي محط إشكال ومفارقة عميقة: هل هو بالفعل عالم منسجم مع ذاته؟

وعي الاستمرارية في كل أعمال عبد الحميد البجوقي مهم جدا لأن نتاج كل روائي لا يتبدى إلا كتاريخ يحكمه التدرج؛ وهذا ما يرسخه عملاه الجديدان: “الجنيس” و”خيط العنكبوت”؛ فالروابط اللغوية الموجزة في قصة “خيط العنكبوت” مثلا، أو النسق السردي لرواية “الجنيس” القائم على التراوح بين تقنيتي الفلاش باك (استعادة الماضي) والفلاش فور وورد (تسريد المستقبل)، لم يكن بالإمكان تصورهما متجاورين في أعمال سابقة لنفس المؤلف مثل: “الموروخايمي” أو “عبد سليمو النصراني”؛ الشيء نفسه يصدق على اختيار العناوين التي جاءت هذه المرة ماكرة/ منهكة لغوية، ومختزلة إلى أقصى حد، بحيث أشرت على تلائم أجناسي واضح مقارنة بالعناوين السابقة لثلاثية المنفى.. هذا التدرج طبيعي في مسار كل روائي، إذ هل يعقل أن نجيب محفوظ قد ألف “أفراح القبة” قبل “بداية ونهاية”؟

جاءت كل من “الجنيس” و”خيط العنكبوت” كنتاج لإدراك أعمق لوظيفة السرد، دون التفريط في الهوية الروحية التي هي المنفى؛ هنالك وفاء دائم للغة المنفى مع توغل أعمق في استقصاء روح الواقع؛ بما في ذلك الحضور الذاتي للمؤلف من خلال الشخصية الاستعارية سعيد بطل الجزء الأول من ثلاثية المنفى الملقب بـ: الموروخايمي والذي تفيد مجرد الإشارة إليه توكيد سمة الواقعي.

“الجنيس” مثلا ليست مجرد تسريد في خدمة التجريد والتنميق اللغوي سمة قصائد الانحطاط، وهذا لا يحرمها من جماليتها؛ لنقل مع هرمان بروخ بأن الخلق الوحيد لهذه الرواية هو المعرفة وتقصي واقع المهاجرين عبر أجيالهم المتعاقبة. الأمثولة الملائمة لذلك هي تنوع الأبطال المتناسلين كلهم من شخصية مركزية وإن كانت الغائب الأكبر: محمد ابن قرية ولاد سعيد الذي قتل الجمركي زوج والدته ومغتصب أخته الصغيرة؛ وبسبب فعلته سيهرب من المغرب صوب اسبانيا تاركا ابنته سعيدة لمصير مجهول. تكبر هذه الأخيرة ولا فرصة أمامها لتكوين أسرة سوى الزواج من عجوز سكير ومقامر يتركها للشقاء والعمل بدلا منه؛ تلد معه سهيل وسهام؛ ولكن إثر مقتله في جلسة مجون تغادر صوب اسبانيا بحثا عن والدها محمد الذي صار الأمل الوحيد المتبقي لأسرتها المنكوبة.. هل تنتهي الأحداث هنا؟.. لا، لأنها لم تصل أبدا بعدما ستسقط صريعة وسط البحر برصاص حرس الحدود المغربي. بعدها سيقرر سهيل وسهام تكرار المحاولة من جديد، وكأن العبور السري للمتوسط قدر كل جيل.. غير أن الأمواج ستفرقهما في عرض البحر. في مدريد سيتيهان بحثا عن خالتهما ناهد ابنة جدهما محمد من زوجته الإسبانية التي أسلمت.. حوادث كثيرة ستقع قبل أن يجتمع الشمل، ولا داعي لحرقها، فهذا ليس دورنا في هذا المقام.. لكن: أهي قصة مكرورة قائمة على عنصر الصدفة البحثة؟.. كل شيء في هذا الكون صدفة أكثر منه ترتيبا، لذلك فالصدف وحدها من تقودنا إلى واقع لم نكن لنفكر فيه.. ومع ذلك، ليست الرواية مجرد حكاية ولا لغة منمقة ومبهمة؛ فهذا خطأ راسخ.. الرواية تنويعات بلغة الموسيقى.. سيمفونية أحاسيس وألوان وأصوات لا تستقيم إلا من خلال الحركة، زمن المسؤولة عن تحويل الحدث إلى شكل متعدد الأبعاد، حر ومفعم بالإدهاش؛ كما لوكنا ننظر إلى لوحة من لوحات بيكاسو تكعيبية الأبعاد.

هذا بالضبط ما عمل الروائي عبد الحميد البجوقي على تحقيقه عبر جعل السرد متراوحا بين استعادة الماضي ثم القفز نحو المستقبل، تقنية سينمائية بالأساس شاهدها العالم لأول مرة في المسلسل الأمريكي الأسطورة ضياع Lost إنتاج 2004-2007؛ ومنذ 2015 شرعت ثلة من الروائيين العرب في توظيفها أدبيا؛ وها هو الدور اليوم مغربيا مع رواية «الجنيس» التي رتبها مؤلفها في شكل دائري متصل؛ نقف في فصل فيه عند استعادة الماضي؛ لينقلنا في فصل موال إلى تسريد أحداث ستقع في المستقبل، وهكذا.. ما جعل من “الجنيس” لعبة بازل Puzzle على القارئ إعادة تركيب قطعها ذهنيا حتى يتحصل الصورة الكلية.

تسريد المستقبل Flashforward تقنية معاصرة في السرد السينمائي بفعل التطورات الحاصلة في السينما الأمريكية التي سببها طفرة الرقمي.. ومن السينما انتقلت إلى الرواية الجديدة التي صارت في فرنسا أو أمريكا أقرب إلى تقارير عن الحياة اليومية؛ تنعدم فيها المسافة بين الكلمات والواقع. رواية اليوم أدب يصبو إلى محو أي فارق أو تباعد بين اللغة والأشياء؛ بحيث يلتصق السارد بالراهن ليس بهدف إعادة إنتاج الحياة، بل لفهم ما تنخلق من خلاله هذه الحياة.

في “الجنيس” نلمس منذ البداية ذلك التواطؤ الموضوعي الواضح بين اللغة والسوق بعيدا عن معاني السرد التقليدي وفنون التصوير الشعري الغث من عبث بالألفاظ واقتناص للجناس وتسخير المعنى لصالح اللفظ؛ ما فائدة التصوير الذهني إن كانت الصورة في زمن الرقمي قد تحققت فعليا على سند واقعي هو الشاشات؛ ما فائدة التنميق اللغوي في عصر المرئيات حيث كل شيء انجلى وصار مكشوفا للبصر حتى صرنا نعاني عماء من شدة كثرة الصور.. هذا ما يدركه الحس الأدبي السليم لعبد الحميد البجوقي حينما ينصرف بالمقابل إلى الاستثمار في الزمن الروائي؛ بحيث يجعل من المستقبل في هذه الرواية فعلا حاضرا ومتجاورا مع الماضي.. كلاهما أي الماضي والمستقبل لا يتشكلان في هذه الرواية إلا كصيرورة تمحو كل الحدود الوهمية في الزمن؛ الذي لا يتشكل بتاتا كخط متصاعد وإنما كعود قوامه تكرار نفس المأساة. محمد سعيدة سهام وسهيل على اختلاف أزمانهم كأجيال متعاقبة ليس بوسعهم سوى تكرار نفس الحدث: العبور السري نحو الشمال وكأنه عود أبدي ومأساة لا تتوقف. بذلك فتيمة المنفى لا تتشكل في هذه الرواية كمجرد حدث ماضوي فقد طابعه الملموس واستحال شبحا أو ذكرى، بل المنفى هو الحاضر الذي يتجدد معيدا مأساته مع كل جيل..

يقول إنشتاين: [الفارق بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهم عنيد ومستمر]؛ ويستهل المسلسل الألماني الرائع عتمة Dark الذي أنتجته نتفليكس Netflix ونال شهرة عالمية حلقته الأولى بالراوي الذي يقول بالحرف: [الزمن ليس خطا تصاعديا، بل هو مؤلف من خطوط متجاورة تستمر بشكل أبدي إلى ما لا نهاية.. الفارق بين الماضي والحاضر والمستقبل مجرد وهم.. الأمس، اليوم والغد ليسوا متعاقبين بل هم متصلون في دائرة لا نهائية.. كل شيء متصل].

شخصيا وبعد “الجنيس” سأنتظر بفارغ الصبر جديد هذا الروائي؛ لأن أعماله ليست صنعات ينتجها يلوك التقنيات ويحفظها عن ظهر قلب؛ هذا عمل الحرفيين الخالي من الإحساس ومن نبض الحياة؛ تجدنا إزاء أعمالهم وكأننا في حضرة قصيدة من شعر الانحطاط؛ حينما صار الشعراء مانوفاكتورات لاصطناع التنميق اللغوي؛ ما انتهى بأدبنا إلى فقدان حيوية الحياة وإنسانية الإنسان.

الكتابة السردية عند عبد الحميد البجوقي بمثابة فلامنكو حزين نابع من حنجرة جريحة، ومن جرح نقي ومن نفس زكية تتفاعل مع مآسي المعذبين في الأرض الذين يواجهون في منفاهم آلة قاهرة هي التمدن وهم القادمون من نقاء البادية ومن مجاهل إفريقيا.. المدن بالنسبة إليهم أدغال بتعبير بريشت. يكتب البجوقي لا ليفوز بتقدير مزيف في صالون أدبي أسسه الرياء وأعمدته النفاق؛ ولكنه يكتب الرواية لكي لا يموت من فرط الحقيقة وهذا هو الاهم بالنسبة للفنان.

أخاطب القارئ البهي قائلا: .. عليك بهذه الرواية؛ ليس لأنها متقنة الصنع، فهذا شيء مكروه لأنه لا يحرضنا على التساؤل.. عليكم بها لأنها مفتوحة على الصيرورة، ما يجعلنا نكابد ونحن نقرأها آثار انفعالات سنقاوم عبرها كل الزيف والخدع الهادمة لدفق الحياة.. لا رواية مع الاعتقاد ولا فن مع اليقين..

في المقطع 14 يقف سهيل الصغير أعزلا أمام قدر جائر لأمه البئيسة التي تجد نفسها مكبلة بأصفاد الشرطة وهي تُساق نحو المخفر بتهمة قتل زوج بئيس.. يرفع سهيل بصره إلى السماء ليخاطبها عن العدل المفقود:

كيف لي أن أسال الكبار عما يراودني من شكوك في أن ما وراء النجوم عالم آخر.. لماذا تخلف الله عن مساعدة أمي..

تتردد هذه العبارات بداخلنا وكأننا في قلب مشهد سوداوي من مسرحيات “يونسكو” العبثية.. هي رواية متميزة في مسار مبدع لا يزال مفتوحا على الجديد المفعم بالألق..

أجل، فأبهى الشخصيات تلك التي لم يرسمها البجوقي بعد، وأقوى الأحداث تلك التي لم يحكها بعد؛ وأجمل الروايات تلك التي لم يؤلفها بعد..

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق