الرباطفاس

“تقنين الكيف” في منطقة الريف .. كتامة تحاول التخلص من زراعة مجرّمة

لا يبدو الدخول إلى كتامة يسيرا للسيارة الغريبة عن المنطقة؛ هذا ما لوحظ منذ أولى الخطوات على تراب “العشبة العجيبة”، بانطلاق مسلسل بحث السلطات حول الفريق الصحافي وسبب قدومه. كان ذلك مربكا، كونه جرى الساعة الواحدة ليلا، لكن بمرور الدقائق صار مستساغا؛ فقد تأكد أن البلدة المتخفية وسط جبال الريف تجرب العيش دون سرية للمرة الأولى، بعد أن أخرجها سجال “تقنين الكيف” إلى العلن.

المزارعون بملامح موشومة بكثير من الألغاز لا يحلمون بأكثر من الأرض والمعول، يسيجون جبال الكيف بخيوط الدخان، ويمضون غير مكترثين بالقادمين من الغرباء، لا أحد منهم يتذكر كيف جاور “نبتة ممنوعة” لعقود من الزمن، وأفنى مديد العمر في حياة الخفاء مخافة الاعتقال، ولا يرى اكتمالا للحرية سوى ببديل ينهي هشاشة بادية.

هسبريس زارت دواوير بني عيسي، أعلى منطقة بجبال كتامة وأول أرض زرعت نبتة “الكيف”. وصلتها بصعوبة بالغة؛ فالطريق تحمل معها كل دموع الحوامل وقصص العزلة القاسية، صيفا وشتاء، لتبقى أنظار ركاب السيارة متوقفة أمام مشاهد من زمن منفلت تنكشف فيه خيوط أساطير شعبية نسجت عن “كتامة المهبولة” رويدا رويدا.

موسم الحرث

الصباح يأتي باكرا حقا هنا في كتامة، لكنه معاند لإشراقة الشمس، أمنية الكتاميين التي تغيبها أمواج من الضباب الكثيف جدا. منذ السادسة صباحا تدب الحركة في الدواوير، لتتفرق السبل بالمزارعين نحو تقليب الأراضي استعداد لموسم حرث “الكيف”. لا يختلف الأمر بين النساء والرجال ولا الأبناء، الكل يسير نحو سردية تتكرر مئات السنوات.

أمام ضيعة صغيرة في دوار بني أحمد، يحيطها مزارعان اثنان بعناية فائقة أثناء الحرث، التقت هسبريس بعبد اللطيف، ابن مزارع في المنطقة، ليسرد قصة العزلة التي تكابدها ثلاثة دواوير تاريخية (ابن عيسي – ابن احمد – المخزن)، قائلا إن “الأوضاع في كتامة سيئة جدا، كل شيء ينذر هنا باستمرار التهميش، حيث لا جديد يذكر ولا قديم يعاد”.

عبد اللطيف لا يخفي أن “الكيف” استهلك أبناء وبنات المنطقة جسديا وماديا وقضائيا، لكن إلى حدود الساعة لا بديل يلوح في الأفق، كما لا يبدي استعدادا للتخلي عن هذه الزراعة في حالة غياب البديل. أما عن التقنين فالشاب العشريني، يقول إن الفلاحين لا يعرفون عنه شيئا، لا أحد زارهم من أجل توضيح ملابسات هذا القانون المنتظر.

الدولة تفتقد إلى مقاربة سوسيو اقتصادية في تعاطيها مع المنطقة، يقول عبد اللطيف، معتبرا أن جميع المزارعين في صدمة من أمرهم ويواجهون المستقبل بضبابية أمام غياب أي تفاصيل دقيقة بشأن قانون التقنين، مضيفا: “المتعلمون من أبناء قرى كتامة يبذلون الجهد لإيصال المعلومة إلى الآباء، أما المسؤولون فغائبون تماما عن هذه الأرض المنسية”.

الشاب المجاز في القانون يفتخر بأن سنوات تمدرسه كانت ممولة من عائدات “الكيف”؛ فالأمر ليس عيبا في منطقة لم تجن سوى العزلة على امتداد سنوات من التهميش الذي تكرس بقوة منذ عقود لكنه اشتد خلال السنوات الثلاث الماضية، ومرد ذلك، حسب عبد اللطيف، إلى حصار “البلْدية”، أجود أنوع الحشيش المزروع هنا بكتامة.

“سبسي الأجداد وبركة سيدي ربي”

رفقة تتقوى بمرور السنوات يشعر بها عليلو نحو “سبسيه”؛ فكاميرا هسبريس لم تثنه عن مواصلة إعداد “الغليون الأصيل”، مبديا استعداده للتصوير وهو يدخن “الكيف”، معتبرا أن “الأمر طبيعي وهو واقعنا اليومي، فلماذا إخفاؤه؟ لا أقوم بأي شيء غريب عن المنطقة، هذه نسميها أسماء مادحة، فهي الغزالة والعشبة ثم الكيف”.

عليلو الذي يجلس في مقهى بسيط بدوار بني عيسي، الملامس لقمة تدغين المشهورة، يرفض هذا الانتشار الواسع للنبتة في منطقة الشمال، معتبرا أن “عشبة كتامة” هبة من الله، طاهرة، فيها دواء لأمراض عديدة، فالأجداد داوموا على زراعتها وتدخينها؛ “لقينا الجدود كيكميوه وحنا الولاد كنكميوه وهي غادا”، يسرد عليلو محاطا بالجيران منتظرين أقواله بتمعن.

لا يبدي الرجل في أواخر “سن النبوة” رفضا قاطعا للتقنين، لكنه يسائل المرجعية التاريخية لمناطق الزراعة. فحسب أقواله، هذه النبتة ورثها عن الأجداد الخمسة عشر، وبالتالي يرفض تماما مقارنته بمزارعين بمناطق باشرت الزراعة منذ سنوات قليلة، خصوصا وأنها قادرة على إنبات مواد غذائية أخرى، على عكس كتامة.

“هل نأكل البلوط، لم يعد متوفرا في غابات كتامة”، هكذا يرد عليلو على التقنين دون تحديد، مطالبا بمعاينة الأرض الكتامية؛ فهي لا تقبل أية زراعة غير “الكيف”، ومكانه الأصلي واضح، لذلك يعتبر الرجل أرض أجداده “أهلا بنيل حقوقها، فهي صغيرة على كل حال، وسيضرها التقنين دون تحديد حقيقي”، يختم عليلو.

10 ألف رهينة

أوقف عبد الله، ابن مزارع في دوار ابني أحمد، نشاط تقليب الأرض لكن معوله لم يفارقه طوال رحلته مع هسبريس. الأرض هنا مرادفة لاستمرار الحياة بحق. الدوار كله منهمك في رمي “بذرة سحرية”، يقول الشاب، معتبرا أن تضاريس المنطقة صعبة جدا، ولا تسمح بأي زراعات غير “الكيف”، خصوصا بعد فترة السبعينيات، حيث صارت النبتة مورد الرزق الوحيد في كتامة.

بني أحمد، أحد دواوير الريف الأوسط الأعلى، لا يعرف تماما متى جرت الرمية الأولى لبذرة “الكيف”. عبد الله، يورد أن حكايات الأجداد تقول إن الزراعة تمتد لعقود طويلة من الزمن، لكن أثرها المادي لا يبدو على المنطقة، فالطريق وعرة غير معبدة. من كتامة إلى بني أحمد، تطلب الوصول ساعتين من الزمن، رغم أن المسافة تتعدى الخمسين كيلومترا بقليل.

عبد الله الذي يحتفظ بلباس النشاط الزراعي على امتداد النهار، صرح بأن العائلات ذاقت ذرعا بواقعها المر، لم تستفد شيئا من زراعة “الكيف”، رغم أنها سباقة إليها، يقول الشاب الكتامي: “10 آلاف من الساكنة لم تجد ما تسد به رمقها، وتنتظر انفراجا يأتي أو لا يأتي بالتقنين الحالي”.

واقع لا يمت للاسم بصلة

رحمة، مزارعة بمنطقة بني أحمد، لم تنل من الاسم سوى أحرفه جرداء مثل صورتها المتخيلة، التقتها هسبريس وهي في طريقها نحو حقلها الذي تزرعه بـ”الكيف” لعل الغلة تخفف من وطأة أزمة خانقة بادية عليها. تفارق حذائها البلاستيكي لتمضي في أرضها غير آبهة بمصير الأقدام، فآثار شق الأرض اعتلت محيا المرأة التي أفنت عمرها مزارعة.

تقول رحمة إن “الكيف بركة من الملك الراحل محمد الخامس، هو من سمح لسكان كتامة بزراعته”، ثم تسرد مسارات زوجها الراحل عن عمر عاين فيه كتامة لقرن من الزمن وهي تزرع “النبتة”، ثم لحقت به في المهنة التي تمارسها الآن لثلاثين سنة كاملة، وبقيت وحيدة أرضها بعد وفاة الزوج ورحيل الأبناء صوب وجهات أخرى.

رحمة على عكس كل نساء كتامة المتخوفات من أزواجهن، رمت كل ذكورية المنطقة وراءها وواجهت الكاميرا متحدثة عن أزمة تستبد بالمنطقة منذ سنوات، بعد تراجع المبيعات وبقاء كتامة على حالها منذ أن جاءت إليها؛ فالطريق غير معبدة ومرافق تفتقد لعديد من الأمور المهمة (مدارس – مستوصف).

مفارقة الماضي والحاضر

تتحرك السيارة من دوار بني أحمد مجددا صوب بني عيسي، والموعد هذه المرة مع عمي بوكر (101 سنة)، الذي يسترجع ذكرياته مع نبتة “الكيف” وهو المرهق من شده الملاحقات الأمنية، قائلا: “سنة 1955 كانت 7 دشور فقط تزرع النبتة، لكن بوصول الملك الحسن الثاني إلى الحكم جال أكثر ووصل إلى عمالات بعيدة عن كتامة”.

“كنا نبيعه للإسبان بشكل قانوني”، يحكي بوكر، وكان “تجاره الكبار يطرقون منازل المزارعين، جهارا نهارا تتم عملية البيع، بالإضافة إلى نقله صوب مدن مجاورة”، فعمي بوكر باع الكيف في خنيفرة والناظور وتازة وتطوان، قبل أن تعتقله السلطة في مدينة زرهون ويقضي عقوبة حبسية لمدة ستة أشهر بسجن فاس.

لكن لا الاعتقال ولا الهرب أثنى بوكر عن زراعة “النبتة”، فـ”باك الكبير هو المخزن”، يقول الرجل بملامح قست عليها سياقات جغرافية صعبة وعمقتها الأزمة الحالية: “دبا وقع عليه الزيار، مشا فالسماء أو البر اشدوه”، أما في الماضي، “كل مساجد كتامة بنيت بعائداته، (9 جوامع)، كما يدفع السكان أجرة الإمام من عائدات الكيف الخام”.

حكايات وسط مقهى

تطلب لقاء شبان دون معاول وأكياس بذور مشوارا طويلا، انتهى في مقهى بسيطة في أعالي دوار بني عيسي، لكن التخلص ولو لساعات من العمل بالحقول، لا يعني ترك الاستمتاع بما يجنى منها، فرائحة “الحشيش” تملأ المكان الذي استكان إليه شبان في العشرينيات من العمر لتبادل حكايات صباحية ينسيها مفعول “الحشيش” في الحين.

“منها مكيفين منها عايشين”، يحكي شاب وهو منهمك في إعداد لفافته بتركيز، “هذا حال البلد، نستيقظ صباحا نصطف من أجل التدخين، هو وسيلتنا لنسيان الآلام”، ثم أتبعها بعد صمت: “نساو كوولش”، “والدينا وجدودنا كبرو فهادشي، نحن أيضا على نفس الحال، لا فرص ولا آفاق لممارسة مهنة أخرى غير زراعة القنب الهندي”.

على الكرسي المجاور، تبدو حكاية شاب آخر أكثر استسلاما: “كلشي خلق في الكيف والعيش به ولا بديل عنه”، يتساءل مناشدا تدوير الكاميرا صوب تلال كتامة: “هل ستزرع عدسا أو بطاطس؟ لا شيء غير الحجر”، ثم مضى مختزلا كل تضاريس المنطقة الوعرة: “عايشين بقدرة ربي وصافي”، لكن أنفته ترفض أن يتحول إلى “خماس” بمناطق أخرى، وفق إفادته المرفوقة بأدخنة كثيفة.

“أبناء المزارعين هم الأولى بالعمل في حال تقنين الكيف بالمنطقة، فقد أنهكنا من شدة البطالة وغياب أية بدائل”، يقول المتحدث، مستعرضا أشرطة قاسية من الأطفال والشبان الذين أنهكتهم المعاول، “فالجرار لا يصل هذه المنطقة على الإطلاق” يضيف العشريني، الذي يصر على أن مصير أبناء المنطقة يتكرر جيلا بعد جيل.

بدا الجميع منهمكا في طقس تدخين جماعي رتيب، كسره الغرباء وسط المجمع، لكن الكاميرا لم تكن مربكة لسير الجالسين على الإطلاق: “معندناش علاش نخافو حنا كابرين وعايشين فهادشي”، “منذ 11 سنة وأنا أدخن”، يسرد شاب آخر قصته مع تدخين الحشيش الذي بات يسري في عروقه، “الكل يدخن، لا يمكن الفرار منه، الآباء الأصدقاء وكل الأقارب”.

طبيعة قاسية

لا تبدو “ثلاثاء كتامة” مختلفة عن أعلى دواوير الجماعة؛ فأسى الوجوه متشابه وتشابك الأيدي ولفافات الحشيش صار لوحة مألوفة. هناك، التقينا رضوان، فاعل جمعوي بالمنطقة، الذي طالب بالتريث قبل اتخاد قرارات التقنين، خصوصا معاينة المجال التاريخي لنبتة “الكيف”، فالكتاميون هنا لا يتوفرون سوى على قطع زراعية صغيرة، ومن العيب مقارنتهم بباقي المناطق الأخرى.

رضوان الذي قادنا صوب دواره، والمزارعون يلتقطون أنفاسهم بوجبة فطور متأخرة وسط الحقول، يطالب بمراجعة التحديد الجغرافي قبل دخول عملية التقنين، بالإضافة إلى صعوبات المناخ، فـ”السمرة والجريحة” تقضي على كل المنتوجات الفلاحية التي تزرع باستثناء نبتة القنب الهندي، وهو ما يتطلب دراسات مسبقة ومعمقة.

التقينا حمادي، الرجل المشغول بكثير من الأسئلة حول مصير أرضه التي حماها أمر شفوي من الملك محمد الخامس، والذي يرتاب كثيرا من التقنين، لكنه يتذكر أن العلاقة الأولى لسكان كتامة بالرباط كانت جيدة، بعد توجه وفد من أعيان المنطقة، ضم والده عبد السلام، إلى القصر الملكي مشتكيا ظلم قائد المنطقة وحرقه لمحاصيل “الكيف”.

لا شيء يضير السكان هنا سوى الهروب المتكرر ومصادرة المزروعات؛ هكذا يستعيد حمادي إتلاف محاصيل دواوير بني عيسي وبني حمد والمخزن من طرف قائد بالمنطقة سنة 1946. حينها، هب الجميع صوب الرباط وعادوا بقرار تاريخي يسمح لهم بالزراعة؛ قرار مازال العمل جاريا به إلى غاية هذا اليوم حيث تأتي الرباط هذه المرة إلى كتامة دون طلب من السكان.

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق