مراكش

الاختلافُ سبيلًا إلى السلم والأمن

أخفقت في هذا العالم على مدى الدهور كلُّ محاولات تنميط العقول، وتوحيد طبائعها، وتذويب تنوعها، وتدجين اهتماماتها، واغتيال حرياتها، وجعلِ الناس على فكر واحد، ودين واحد، ولسان واحد.. وانتهت تلك المحاولات بالفشل في كل حين، لعدم اعتبار ومراعاة تغاير مقومات العقول، ودرجات إدراكاتها، وألوان استيعابها، بتغاير مَهَايَا انبنائها وهوياتها الثقافية التي أُنتِجَتْ فيها. وذلك أن العقل الجمعي، والمبادئ الثقافية المتسيِّدة، والنُظُم المجترّة في فضاء كل مجتمع على حدة، هي التي تفضي إلى تعدّدُ الأنا والغير، تباينا أو تكاملا أو تضايفا أو تَّمَاسًّا أو تقاطعا. فضلا عن أن العقل المجسّد ذاتَهُ متجددٌ متطورٌ محلِّقٌ دوامًا في فضاءات الأكوان، ومتتبعٌ استمرارًا لأنوار المعارف، ومستخرجٌ تَكرارًا لكنوز العوالم، ومراكِمٌ تباعا لإبداعات الأمم..

فالعقل فطرةٌ أنعم الله بها على الإنسان، لينطلق حرا نحو التقليل من أميته، والتكثير من معارفه، دون انعقال أو انئسار. ويؤدي واجبه وفريضته في التدبر، والاكتشاف، وتجديد الفهم، والاختبار، والتجريب، والتجريد…

ولولا عملية التعقل ما وصل الإنسان إلى هذا الكم الهائل من المعارف في مختلف المجالات، وباختلاف الدرجات، ابتداءً من التجريب والمَعْمَلَة والمشاهدة، واجتيازًا بالرياضيات والمنطق والفلسفة وكبريات القضايا العقلية، ووصولًا بعد ذلك إلى التسليم لفضاء الإيمانيات من تعلّقات وتخلّقات وتحقُّقات وشهودات.

ومن مجالات عمليةِ التعقّل، ذلك التَّصَاغي والتصادي والارتدادات الحاصلة بين العقل والواقع، وبين العقل والظاهرة، وبين العقل والخيال، وبين العقل والنص، وبين العقل وسؤالاته من شكوك وأوهام وأسئلة وجودية ومصيرية.. وهذا مستمر مع الزمان، بتعدد منطلقات الأنظار، وتعدد آليات الكسب المعرفي، وتعدد مستويات الإدراك؛ وكذا بتعدد توجيه النظر من الشخص ذاته عبر مختلف مراحل عمره إلى مختلف القضايا؛ الأمر الذي نشأ وينشأ عنه تعدد المُنتَجات؛ التي:

منها ما هو عام يحتاجه كل أنواع البشر في كل مكان، من مدنيات مشتركة في مختلف الميادين صناعةً وتقانةً ومعمارًا وفنًا وكل أدوات استمداد مكنوزات الأرض، وكذلك الصناعة الضرورية للدفاع… بالإضافة إلى ما يحتاجه الناس من المخرجات العقلية المتعلقة بمناهج البحث والتحصيل والتعلم والتحقيق واكتساب المهارات.

ومنها ما يقتضي التغاير والتباين نظرا لاختلاف التاريخ الثقافي والسياسي، والتباعد الجغرافي، والتفاوت المناخي، وحتى الاختلاف الأسطوري والخرافي أو الطوطمي المؤسس لمجموعة من معتقدات كثير من الشعوب.

ومن هنا يتجلى مفهوم “الاختلاف” كمحطة إغراء للعقول الكبيرة، ويبقى ذا حمولة منصفة وعادلة بين الناس، يقارب بين المسافات تجاه الجميع، دون اصطفافٍ إلى أي من الفرقاء، فيستوون جميعا في الحق في الموالفة والمخالفة، في الانوصال والانفصال.

فالاختلاف يوحي بدافع البراءة، أن يبقى الإنسان حرا يعيش مع أخيه الإنسان، يعمل كلٌّ في مجاله وتخصصه، يتشاركان في الخيرات تنافعا، والخبرات تبادلا، والحاجات تخادما.. لنيل الكرامة والأمن والاستقرار والسلام. وهذا يستدعي ممارسة الإنسان حقه في الاختلاف، بالقدر الذي يجعله قادرا على اختيار الاعتقاد، وإجالة التفكير، وتنويع الثقافة، وتذوق الفن، و تعاطي الأدب، بحرية في أعلى تجلياتها، وأبعد آفاقها، وأرقى معانيها.. تلك الحرية التي تنفعل وتنشط بحظ وافر، وشكل واسع، وقوة دافعة أو ساحبة. تلك الحرية المسؤولة التي تجول وتمرح في أغلب المجالات، لكنها تعرف حدودها وإطار فضائها، ومستويات حركتها، ولا تتغول في حيّزات الآخرين وحقولهم، ولا تتعدى على فضاءات الآخرين وحقوقهم. ليستوي الجميع في ممارسة حرياتهم موالفين أو مخالفين، مع احترام حق الجميع في الاختيارات والقناعات، بل والرضا بذلك أخلاقا متمثلة، بدافع جُوَّاني، وانفعال ذاتي، وإحساس داخلي، وليس فقط خضوعا لنص الدستور ومساطر القانون.

وبإعطائنا لمفهوم “الاختلاف” مكانته المستحَقّة العالية، وقيمته اللائقة، ورفعته السامقة، نكون في المقابل قد أنزلنا مفهوم الإكراه إلى الضّعة والدرك الأسفل الذي يلائمه ويناسبه، لأنه دَوْمًا واقفٌ في صفِ صاحبِ القوةِ الظالمِ، ومائلٌ إلى جانبه، وخادمٌ رهن إشارته، وخصوصا إذا كان كُلِّيَّانِيًّا شموليّا لا يتصور أحدا مختلِفا عنه طليقا يجوب الآفاق، ولا يتخيل معارضا له حرا يمشي في الأسواق. فيتعقبه شبرا بشبر وذراعا بذراع.

ولا شيء أسوأ من أن يلبس الإكراه لبوس الدين، ويتعمم بمرجعيته، ويتزين بنصوصه ويتختم بأقوال علمائه.. إنها ممارسة العنف المبرّر، العنف المُشَرْعَن، العنف الذي لن يعدم دليلا من القرآن أو السنة أو أقوالِ علمائنا أو أقوال الأئمة الاثني عشر، أو الإنجيل أو التوراة أو التلمود أو الفيدا أو الكوجيكي، فهم يمارسون حق النيابة عن الله في تطبيق الأحكام على المخالفين. فيرتعد الإنسان حتى في حقه في ممارسة التفكير والبحث عن الحقيقة في موضوعة من الموضوعات. إنها صورة من أقبح صور الإرهاب، وأعنف أشكاله، أن يكون الإنسان سيفا مسلطا على قلب الإنسان وعقله المخلوق حرا. فيتوقف عن إعماله خوفا من اللوم والمضايقة والعنف والإقصاء والقتل.

لذا فالاختلافُ مفهومًا مع أمثال هؤلاء، لن يخرج عن قاعات التفلسف والتفاكر والتداول المعرفي في إطار الندوات والملتقيات، وتبقى مختلف شرائح ومستويات المجتمع محرومةَ الحقِّ في التفكير والتعبير والاقتناع والاعتقاد والاختيار المعرفي والسلوكي، فتغيب العدالة والنَّصَفة ويتفاضل الناس في هذه الحقوق وينكبت الرأي في صدورهم إلى أجل غير مسمى.

مع أن الإيمان يستوى الناس جميعا في التعاطي معه، فقد وقع النـداء به من الله تعالى للبشـرية جمعاء بكل أفرادها، واختلاف طبقاتها. فخاطَبَهم تعالى بقوله: “يـا أيها الناس” ولم يفرق بين أحد منهم في النداء، إذ ليس أحد أولى به من الآخر، فكذلك الاستجابة، فليس أحد أولى بها من الآخر، لا عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود، فالجميع متساوون في استقبال الخطاب، وبالتالي متساوون في حق الاستجابة، دون أن يوكل تعالى نبيا على اسْتِلَام ألوهيته، أو يُنِيبَ عالما على ممارسة ربوبتيه، ولم يزد الله أن جعل المؤمنين المستجيبين لنداء الإيمان، شهداء على الناس لا أوصياء عليهم. لأن المحاكمة على ما في القلوب مما اختص الله بها نفسه.

فالله تعالى تعرّف إلينا عن طريق أنبيائه ورسله، فبينوا لنا سبيل الهدى والاستقامة، وتعرّف سبحانه إلينا عن طريق نِعمه وبديع مخلوقاته، وجميل مبثوثـاته في الكون، ثم تركنا على هذه الأرض ليرى ماذا سنعمل. فهو أغنى عن إيمانٍ تحت سلطة الإكراه، وعصا القوة. وأراد أن يكون خيار الإيمان طواعية وشوقا إلى الهداية، والْتجاءً إليه تعالى، عن إرادة حرة وإقبال ذاتي.

ولقد نص القرآن على ذلك في مواضع كثيرة، فقال تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ()، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ()، وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ()، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ()، وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَـرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ()، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَـأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ()، وقال تعالى: وَلَوْ شـَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ().

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ().

أراد الله تعالى أن يبقى الدين له خالصا، ولم يجعل أحدا وكيلا عنه في ذلك، ولا حارسا على سُور الإيمان، ولا جلادا للعباد لكي يسلموا له تعالى ويخضعوا لأوامره، إذ لو شاء تعالى ذلك، لاستغنى عن إرسال الأنبياء بالحجج والبراهين، ولما أعجزه أن يجعل قلوب عبيده متجهة له بالخضوع والسجود، أو لجعلهم ملائكة مقربين أصالة، ولكن الله تعالى أراد أن يكون اعتقاد الناس محاطا بالحرية، ليتأتى الاختيار السليم الحر الذاتي. ولا أدل على ذلك أن الله ترك الفصل في قضايا الإيمان إلى يوم الدين. فقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُـرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(). فكفل تعالى لكل عابـد حقه في أن يكون له معبده الخاص، يمارس فيه طقوس معتقده، يتوجه إلى قبلته، ويردد ترانيمه، ولم يرض بهدمها وإبادتها، وبهذا يتنزل ويتحقق قدر الله على الأرض من كونه جعلنا مختلفين.

وقال تعالى:  يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْـرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسـْرِفِينَ()، فقال “يا بني آدم” ولم يقل “يا أيها الذين آمنوا”، وقال:”كل مسجد” كل مكان للسجود، فهذه الآية واللاتي قبلها تؤكد على المعنى ذاته من أن الاختلاف سنة كونية ماضية في كل الأزمان.

كما جعل الله لكل واحد منا شرعته، قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ()، وقال تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ().

هاتان الآيتان ناطقتان بأن التنوع مشكّل طبيعي للمجتمعات، وأمرٌ ضروري لدوران عجلة الحياة، لأن جَوَّ المنافسة والمدافعة هو الضامن للاستمرار في الحركة والمسارعة في الخيرات، كما أن الغيرة الإبداعية هي الراعية لجوْدَة استمرار تلك الحركة.

فخلاصة قولنا بحرية التدين، هي ترك الناس على ما اختاروه لأنفسهم من أفكار واعتقادات من جميع الأديان والمشارب، سواء كان تدين أفرادهم بدين ما، مُصْطحَبًا بالأصالة، أم حادثا بالطروء والتبديل، إذ لا معنى من أن ينهانا الله تعالى عن إكراه الناس في الابتداء، للدخول في الإسلام، ثم يأمرنا بإكراههم في الدوام، أي إكراه من أراد مقتنعا الخروج من الإسلام، على البقاء مُسلما قهرا ولو غادر الإيمانُ قلبَه. فإننا إذن ندلس على العالمين بتكرار قوله تعالى لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، ولا نقصد بذلك جميع صور ومتعلقات الإكراه. وهذا هو ما يُفقِدُنا ثقةَ غَيرِنا بما نقول، ويروننا مدلسين في استعمال الآية، ومستبطنين للعنف.

فهل هناك جدوى من إكراه أحد على دين يريد الخروج منه؟، وهل سيرضى الله بإيمانٍ جاء بالغصب؟، وهل يقبل الله قولا غير مطابق لما في القلب؟.

إن التعدد العقدي سنة معيشة ممتدة ودائمة منذ العهد الأول للخليقة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. روى مسلم عن المستورد بن شداد القرشي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس)().

وعندما أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابا إلى قيصـر، قرأه وطواه ثم رفعه، فلما بلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: ( وأما هؤلاء فستكون لهم بقية) ().

وهذان الحديثان وإن كـانا من باب الإخبار عما سيكون في المستقبل العملي على الأرض، فإن ذلك قد تأكد عمليا بعد ذلك كما في النصين الآتيين:

قال الإمام السُّهيلي دفين مراكش – رحمه الله – في الروض الأُنُف مؤكدا:”وقد روي أن هرقل وضع كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كتب إليه، في قَصَبة من ذهب، تعظيما له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه كابرا عن كابر، في أرفع صِوانٍ وأعزِّ مكان حتى كان عند ” إذفونش()” الذي تغلَّب على طليطلة، وما أخذَ أخذَها من بلاد الأندلس، ثم كان عند ابن بنته المعروف ” بالسِّلِيطِين ” حدثني بعض أصحابنا أنه حدثه من سأله رؤيتَه من قُوّادِ أجناد المسلمين، كان يُعرف بعبد الملكِ بن سعيدٍ، قال: فأخرجَهُ إليَّ فاستعبَرْتُه()وأردتُ تقبيلَه، وأخَذَه بيدِي، فمنعني من ذلك صيانةً له وضَنًّا به عليَّ”().

وساق ابن حجر العسقلاني قصة مشابهة تؤكد استمرار وجود رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ملوك الروم، مُـخْبِرا عن سيف الدين فليح المنصوري قال: “أرسلني الملك المنصور قلاوون إلى ملك الغرب بهدية، فأرسلني ملك الغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبلها، وعرض علي الإقامة عنده فامتنعت، فقال لي: لأتحفنك بتحفة سَنِيَّة، فأخرج لي صندوقا مصفحا بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد التصقت عليه خرقة حرير، فقال هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا، لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا”()اهـ.

وعندما كان بعض الصحابة بالحبشة ورأوا من حماية النجاشي لهم وإنصافه، ثم ظهر رجل ينازعه الملك، ما كان منهم إلا أن تعاطفوا معه ودعوا له، تقول أم سلمة: (ودعَونا للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين في بلاده)().

وعليه، لقد صار القبول الدائم بالاختلاف والتنوع، أمرا ضروريا وليس حاجيا فقط، للتربي عليه وممارسته، وليس فقط لإشاعته كمفهوم غني بالمضامين والماصدقات عند المثقفين، وإنما لا بد من تنزيله مشروعا متكاملا منزّلا في برامجَ في مختلف القطاعات، ليعود لنا إسلامنا المخطوف الذي تربينا عليه يوم كنا نعيش متجاورين مسلمين ونصارى ويهود في بلداننا، حيث كنا على براءتنا وفطرتنا وطبعنا الداعي إلى حسن الجوار والحب والتعاون، والسلم والأمن، قبل تلويث عقولنا وتنويم ضمائرنا وتقزيم آفاقنا وتسطيح فهومنا واستنبات فقه المجافاة والقطيعة والعنف في عقول أجيالنا.

باحث في الشريعة والفكر الإسلامي

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق