الدار البيضاء

سبيلا .. مسار “هرم تنويري” من مدارات الحداثة إلى الفتنة الأبدية للفلسفة

هرم ثقافي آخر من أهرامات “فلسفة التنوير” اختطفه فيروس “كوفيد-19″، ليلة الاثنين، تاركا وراءه فكرا خالدا في الذاكرة الجمعية للمنطقة. إنه الدكتور محمد سبيلا، الذي فكك العديد من القضايا التي تشغل وتؤرق المجتمع والفكر وتتبع مفاصل الفكر الغربي الحديث.

يعد الأستاذ محمد سبيلا، الذي ازداد بمدينة الدار البيضاء سنة 1942، أبرز الكتاب والفلاسفة بالمغرب ذوي الانهمام الفكري بموضوع الفلسفة الغربية، خاصة الحداثة. عرف بأياديه البيضاء على الكثير من الطلبة والمتتبعين، ودعوته إلى السؤال الفلسفي.

وترأس الدكتور سبيلا “الجمعية الفلسفية المغربية” سابقا، وكذا شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس في السنوات الممتدة من 1972 إلى 1980. من مؤلفاته العديدة: مدارات الحداثة (1987)، والإيديولوجيا (1993)، والمغرب في مواجهة الحداثة (1999)، والحداثة وما بعد الحداثة (2001).

وترجم الأستاذ سبيلا مؤلفات كثيرة؛ أبرزها الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا (1972)، وتساؤلات الفكر المعاصر (1986)، ونظام الخطاب (1986)، والتحليل النفسي وأسسه الفلسفية (1987)، وقضايا الفكر المعاصر (1990). كما أشرف على نصوص فلسفية عديدة؛ بينها سلسلة “دفاتر فلسفية”، بالاشتراك مع الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي (1989-1992)، و”الفلسفة الحديثة”، بالاشتراك مع الأستاذ بنعبد العالي أيضا (1992).

وتطبعت البواكير الأولى من عمر الأستاذ سبيلا بتجربة حفظ القرآن والتعليم في الكتاب. أما السمة الثانية لطفولته، فقد أخرجه والده من التعليم العمومي المزدوج الذي قضى فيه سنوات الابتدائي إلى التعليم الحر المعرب تحت ضغط الحركة الوطنية وشعاراتها آنذاك.

السمة الثالثة لطفولته هي التجربة العائلية في النضال السياسي، حيث كان والده أحد أقطاب حزب الاستقلال على منطقة “المداكرة”. وقد خبر المفكر محمد سبيلا المستوى السياسي المباشر منذ كان طالبا في الثانوي، حيث نشط سياسيا وحركيا في إطار ما كان يسمى آنذاك بوداديات التلاميذ، والشبيبة الاستقلالية، ثم الشبيبة الاتحادية.

وعندما دخل جيله الجامعة سنة 1963، كانوا مأخوذين كليا في العواصف السياسية والإيديولوجية للاشتراكية والماركسية والناصرية والنزعة القومية والعروبية عموما. وبشأن موقفه من ذلك، يروي الأستاذ سبيلا، ضمن أحد حواراته، أن كل تلك الموجات من الفكر السياسي تندرج تحت خانة واحدة، هي خانة الحداثة السياسية، أو الفكر السياسي الحديث.

وتحدث الأستاذ سبيلا عن خلاصة تجربته السياسية المحدودة بقوله: “كنا نعتقد أن السياسة ميدان أخلاقي، أو كنا ننظر إلى السياسة نظرة مثالية وأخلاقية، لكن فيما تبعد تبين أن السياسة غير الأخلاق”. ويعترف المفكر المغربي الراحل بأنه وجد نفسه عبر كل مراحل دراسته منجذبا إلى الفكر والفلسفة.

وعن انجذابه إلى الفلسفة، أضاف الفيلسوف ذاته، ضمن حوارات طويلة منشورة في كتاب معنون بـ”دفاعا عن العقل والحداثة” سنة 2003، شارحا: “في الظاهر، يبدو أنني أنا الذي اخترت الفلسفة كحرفة وهواية؛ ولكنها هي التي اختارتني في العمق، وظلت، وستظل، تداهمني وتغريني وتمارس علي فتنتها الأبدية”.

وانشغل الأستاذ سبيلا كثيرا، في هذا الصدد، بموضوع الحداثة سعيا إلى التعرف على ماهيتها الفكرية، ومدلولها الفلسفي والميتافيزيقي، بينما لم ينشغل كثيرا بمسألة سيرورتها الاجتماعية.

وحول اشتغاله الكثير على موضوع الفلسفة الغربية، أردف، في حوار سابق، بالقول: “لدي ارتباط هوسي بالمستقبل لا بالماضي، الاهتمام بالحاضر والراهن، وباللحظة القائمة في قوتها وتطلعها نحو ما هو آت”.

ويرى المفكر المغربي، في كتاب “مدارات الحداثة”، أن كل تعامل مع الفكر الغربي يتعين أن يكون تعاملا نقديا، وأن يستحضر جملة من المعايير؛ أولها ضرورة التمييز بين ما هو علمي وما هو إيديولوجي، وثانيها التمييز بين ما هو كوني وما هو محلي، وثالثها مراعاة تاريخية هذه المكتشفات الثقافية.

ومن هنا ضرورة التمييز بين مرحلة انطلاق العقلانية الغربية وانفتاحها وتفاؤلها ونزعتها المركزية؛ وهي المرحلة الأولى للحداثة، يضيف الأستاذ سبيلا، والمرحلة الثانية، وهي مرحلة المراجعة، حيث أخضعت المطلقات السابقة للنقد، مثل التاريخ والعقل والإنسان؛ ومن ثم، فمن دون الوعي بهذه الفواصل والفروق، فإنه سيحدث خلط بين الأزمنة والسياقات، بتعبيره.

وخاض الأستاذ سبيلا كثيرا في مصطلح “الحداثة” الخلافي، حيث أوضح، في كتاب “دفاعا عن العقل والحداثة”، بأن “الحداثة مفهوم لا يخلو من الالتباس، فهو كثيرا ما يستعمل في معنى سطحي؛ أي في معنى زمني خالص، فجل الكتابات والخطابات تورد الحداثة كمرادف للآن، أو لما هو معاصر، أو للجديد، أو لما هو قائم حاليا”.

وتابع بأن “الحداثة على المستويين الفلسفي والفكري فهي ذات دلالتين كبيرتين، أولاهما تاريخية، حيث تشير الحداثة إلى فترة تاريخية مرجعية في أوروبا، ابتداء من القرن الـ15 إلى القرن الـ19، مع ما صاحب هذه الفترة من أحداث مفصلية انعطافية كبرى كاكتشاف العالم الجديد، والإصلاح الديني في أوروبا، والنهضة، وفكر الأنوار”.

الدلالة الثانية لمصطلح الحداثة، حسب الأستاذ سبيلا، فهي دلالة فكرية فلسفية، حيث يشير مصطلح الحداثة إلى بنية فلسفية وفكرية تمثلت، في الغرب، في بروز النزعة الإنسانية بمدلولها الفلسفي التي تعطي للإنسان قيمة مركزية ومرجعية أساسية في الكون، وكذا في بروز نزعة عقلانية أداتية صارمة في مجال المعرفة والعمل معا.

تلك البنية الفكرية الفلسفية توجد نظائر لها على مستوى ما يسميه الأستاذ سبيلا بالحداثة الاقتصادية التي تمثل الرأسمالية نموذجها الأمثل، أو بالحداثة الاجتماعية المتمثلة في تفكك أواصر القرابة التقليدية الرابطة للمجتمع، وبالحداثة السياسية التي يتمثل مدلولها الأساسي، على مستوى الحكم والسلطة، في الانتقال من المشروعية التقليدية إلى المشروعة العصرية المرتبطة بالعقد الاجتماعي (الدستور) والآليات الديمقراطية.

المصدر : www.hespress.com

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق